نبض التراث · الأردن

الذاكرة الأردنية — نبض التراث

المنسف

المنسف.. سَيّد مائدة الأردنيين

طبق من المنسف
01 / 03طبق من المنسف

الروايات التاريخية والتقاليدية من المصدر، وليست تحققاً مستقلاً.

المنسف.. سَيّد مائدة الأردنيين اقترن اسمه بالأردن، فصار جزءاً من منظومة وأسلوب حياة، وعنواناً للكرم والجود والضيافة. هو المنسف، الذي يوصف بأنه سيد المائدة، والطبق الوطني، ورمزاً لموروث ثقافي خاص، يحمل في طياته بعدا اجتماعيا يمثل ثقافة وهوية المجتمع الأردني. *** وقد تجاوز المنسف حدوده المادية التي ترشح من البيئة إلى سُفرة الطعام، ليشكل منظومة حياة بطقوسه وتقاليده، وبحضوره في الأفراح والأتراح وفي مختلف المناسبات، كطعام جامع في الوجدان الشعبي، وله قيمة معنوية في اليوميّ المَعيش والعادات والبنية الاجتماعية عند الأردنيين. *** وعلى مدار تراكم السنين، تشكلت للمنسف أدبيات وأخلاقيات وممارسات خاصة به كطعام للأردنيين، مرتبط بقيمة اجتماعية وتاريخية، كجزء من الموروث الوطني اللافت، والذي أهَّله ليُدرج تحت عنوان "المنسف في الأردن.. وليمة احتفائية ودلالاتها الاجتماعية والثقافية" على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2022م. *** وقد شهد عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين اهتماما لافتاً بالإرث الثقافي الأردني، ليتم الحفاظ عليه على المستوى الوطني، والانطلاق به نحو العالمية كجزء لا يتجزأ من الإرث الإنساني. وفق هذه الرؤية الملكية، تم تسجيل العديد من هذا الموروث الأردني المادي وغير المادي على لوائح التراث العالمي، ومنه المنسف الذي يحمل دلالات اجتماعية وثقافية لدى الأردنيين، ويعتبر شكلاً من أشكال التعبير الثقافي غير المادي للعادات الغذائية الأردنية، ويعكس الهوية الثقافية الوطنية الأردنية التي عنوانها الكرم والنخوة وحسن الضيافة. وقد بدأت الجهود الرسمية بتجهيز ملف المنسف بتعاون بين عدة وزارات وجهات أردنية على رأسها وزارة الثقافة، ليتم تقديم ملف المنسف من خلال البعثة الدائمة لدى اليونسكو، في نهاية شهر آذار عام 2021م، خلال مشاركة الأردن في الدورة السابعة عشر للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، ليتم اختيار المنسف ضمن عدد من الترشيحات الأخرى. *** وبعد عام من هذا الترشيح، وخلال اجتماعات اللجنة في العاصمة المغربية الرباط، كان القرار في شهر تشرين الثاني من عام 2022م، بإدراج "المنسف في الأردن: وليمة احتفائية ودلالاتها الاجتماعية والثقافية"، على قائمة التراث العالمي، ليؤكد هذا الإنجاز حق الأردن في حفظ ملكية أصل المنسف، وبما يتفق مع جهود تبذلها الدول للحفاظ على رموزها ذات الدلالات الثقافية والاجتماعية للأجيال القادمة. *** يعود ارتباط "المنسف" تاريخيا بالأردن، إلى فترة حكم الملك ميشع الذيباني، أحد ملوك مملكة "مؤاب" التي تأسست جنوب الأردن، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ودامت إلى القرن الرابع قبل الميلاد. وتشير رواية التاريخ حول بداية المنسف إلى القرن التاسع قبل الميلاد، عندما أراد الملك ميشع، قبل احدى معاركة، أن يختبر ولاء جنده وشعبه المؤابي، بأن طلب منهم بأن يطبخوا اللحم باللبن، على مرأى أعين عدوهم الذي كان سيواجههم في المعركة، وكانت شريعة العدو تحرم هذا الطقس في الطعام بخلط اللحم باللبن. وعندما استجاب شعب مؤاب لطلب ملكهم ميشع، رجحت الكفة للمؤابيين وانتصروا على عدوهم، فسمي هذا الطعام بالمنسف منذ تلك الواقعة، لأنه نسف ما جاء في شريعة العدو في تلك الفترة، وما كان من عهود بين الطرفين. وفق هذه المرجعية التاريخية، ارتبط المنسف لدى الأردنيين بالنصر والعز والكرامة، واقترنت به الكثير من العادات الحميدة، منها إكرام الضيف، وتوقير الكبير، وصلة الأرحام، وإصلاح ذات البين، وإطعام الجائع والفقير، حيث أن المنسف أكبر من أن يكون مجرد أكلة وتنتهي في مناسبة اجتماعية محددة، فهو ثقافة وتاريخ من جانب، ومن جانب آخر يمثل مظهرا اجتماعيا تكافليا حضاريا يتميز به الأردنيون. *** هناك تطور طرأ على مكونات المنسف عبر السنين، فقد كان بالأساس يصنع من ثريد لحم الضأن واللبن وخبز الشراك، ثم لاحقا أصبحت المادة الرئيسية للمنسف البرغل (القمح المجروش)، ثم تطور بعد دخول مادة الأرز إلى المنطقة، فاستخدم في المنسف في فترة متأخرة من القرن التاسع عشر. وحديثا، يتكون طبق المنسف من الأرز ولحم الضأن ولبن الجميد وخبز الشراك والمكسرات، ويقدم في طبق ضخم حيث يوضع الخبز أولا ثم الأرز المطبوخ بالسمن البلدي وبهارات المنسف الخاصة، ويزين بقطع اللحم الكبيرة والمكسرات من اللوز والصنوبر، ويُشَرّب أخيراً بلبن الجميد المطبوخ، ويؤكل عادة باليد مما يضفي تجربة خاصة اثناء تناوله. *** ما زال المنسف حاضرا كأكلة شعبية لدى الأردنيين، وهو عنوان تعميق الروابط الأسرية والاجتماعية وإكرام الضيف. وإضافة إلى كون هذه الأكلة هي الأكثر شيوعا على موائد أغلب فئات الشعب، وتمثل في انتشارها الخصوصية الأردنية، حيث يحقق المنسف غايته "الشعبية والوطنية، حين يجتمع حوله أكبر عدد من الضيوف أو المدعوين أو أهل الدار، هو أيضاً تعبير عن الكرم العربي في الأردن، وأسلوب حميم لجمع الناس وإحداث الألفة بينهم، وطريقة كريمة لإشباع الجياع من أبناء الحي أو البلد، من حيث أنه جسر اجتماعي يتحقق من خلاله التواصل الاجتماعي، وتعليم الكثير من السلوكيات الحميدة كتوقير الكبار، وتكريم الضيف، وإصلاح ذات البين، وإطعام الجائع والفقير. *** ومثلما هناك طقوس في تجهيز المنسف، توجد هناك عادات في تقديمه وطريقة أكله، حيث يؤكل المنسف باستخدام يد واحدة، هي اليمنى، مع وضع اليد اليسرى خلف الظهر، واقتصار الأكل باليد على ثلاثة أصابع وليس جميعها، وعندما يكون رأس الخروف موضوعا على قمة سدر المنسف، فإنه لا يجوز أن يمد الضيف يده ليأكل منه قبل أن يأكل اللحم، فالأصل أن يأكل اللحم حتى يصل إلى الرأس. *** ويبقى المنسف موروثا ورمزا وطنيا، حافظ على خصوصيته، كطبق حاضر على موائد الأردنيين، حاملا في دلالاته كل المضامين التاريخية والاجتماعية، مشكلاً منظومة من القيم والسلوكيات الشعبية والاجتماعية، منفتحا على الإرث الإنساني، ما هيأه ليكون ضمن قائمة التراث الإنساني، باعتباره شكلا من اشكال التعبير الثقافي غير المادي للعادات الغذائية الأردنية والتي تعكس الهوية الثقافية للأردن، وخصوصيتها. ***
02 / ألبوم المكان

صور المنسف

ما ورثته الأيدي وحفظته القلوب، يبقى نابضًا في تفاصيل حياتنا.