فن الدبكة.. بين الأسطورة والفرح --------------------------------------------------------------------------------------- مُفتتح: يقول الإمام الغزالي: "من لم يهزه العود وأوتاره والربيع وأزهاره والروض وأطياره فهو مريض المزاج يحتاج إلى علاج". ويختم الروائي والشاعر أنور الخطيب (فلسطيني مواليد لبنان)، روايته "رقصة الفيلسوف" قائلا: "لقد رقصتَ كثيراً أيها الفيلسوف، وآن لك أن تتعلم الدبكة". ويشير الشاعر اللبناني تيسير حيدر، إلى الدبكة شعراً، تعبيرا عن حميمية الفرح: "بلدتي
أعانقكِ منزلاَ، منزلا .. أرتشفُ ندى الغيوم التي تتمرأى في شبابيك الفلاَّحات المتعبات
أنهمرُ بوابل من القُبل لِزُرقة سمائكِ المشرع على الأفق المزهر اخضرار زيتون ولوز ومروج تبغ.
أستلقي في حُضنِ جبالك كراعٍ مبدع العشق
ألتمسُ لذة عيون أطفالك المرويَّةِ صمود روح
أهوى أزقتكِ التي تعرف جينات روحي وهي تهيم بانشراح
أتودد إلى الصخور وجذور الأشجار التي تضمني بحنان
عسى أن نفرح
أن أشارك في الدبكة في الساحة ذات انتصار..!!". كما تصدح الأغنية بعزم وتصميم: "خبطت قدمكم عالأرض هدّارة.. إنتو الأحبه وإلكن الصدارة..". هي فيروز التي تغني لمن يدبك من الرجال والنساء، لكن في كلمات الأغنية استعادة لطقس قديم عتيق، ترى هل هي خَبْطةٌ أم خَطَّةٌ؟ وفي الأول معناها ضرب بالقدم على الأرض، وفي الثاني تَرَكَ أُثراً وعلّمَ فيها.. ولا شيء في الفنون يأتي عبثا، فكلها فعل ثقافي وذاكرة جمعية متراكمة، ولها دلالات واسقاطات وقصص وحكايات، فالفن رسالة وثقافة ووجدان جمعي متراكم يعبر عنه في كل منطقة بحسب إرثها وبيئتها ومجتمعاتها. أما بلاد الشام، ففن الدبكة واسع الانتشار فيها، إذا إن هذا النوع من الرقصات الشعبية تجده في كل من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ما يميزه الحركات النشيطة والإيقاعات الحماسية، وتؤدى في مجموعات في المناسبات الاجتماعية، في الأفراح والأعراس والحفلات. وتعد الدبكة جزءً مهما من ثقافة بلاد الشام، والتراث الشعبي للمنطقة، وتتميز بالألحان الموسيقية التقليدية، ويرتدي مؤدوها اللباس التقليدي الذي يرتديه الدبيكة من راقصين وراقصات، وتشتمل الدبكة على حركات تقليدية تعبر عن الفرح والتلاحم الاجتماعي، وتحاكي التقاليد الشعبية والحياة اليومية، وهي جزء من الهوية الثقافية. جذور تاريخية وأسطورية يشار إلى كلمة دبكة، في معجم المعاني الجامع، بأن جمع دبكة هو دبْكات أو دَبَكات، وهي رقصة شعبية جماعية مصحوبة بالغناء، شائعة في بلاد الشام، وتقوم على قرع الأرض بالأرجل قرعاً إيقاعيا. واسم دَبَكة يعني جلبة وضوضاء. غير أن هناك فرضية تعيد تفسير ودلالة كلمة دبكة إلى أصولها في الحضارات القديمة، وبأنها مشتقة من اللغة السريانية، التي تعني فيها كلمة دبَك تبع ولحق، في مقابل كلمة دبق أي التصق به، وكلها معان وكلمات دالة على تصوير يجسد فن الدبكة، إذ إن الراقصين يلحقون وتبعون بعضهم بعضاً في حركاتهم، وهم في ذات الوقت يلتصقون ببعضهم واضعين الكتف على الكتف، مع تشابك أيديهم. وكلمة "دِ العونه.. دِ العونه"، وهي اسم احدى الدبكات في بلاد الشام، كلمة سريانية، بمعنى "العَون.. العون"، فيها تضرع، وطلب كأنها الدعاء، وهو تفسير ينسجم مع فرضية أخرى بأن الدبكة نتجت من خبط الأرجل بأسطح المنازل الترابية، لتسويتها، حتى لا تتسرب مياه الأمطار منها، وخلال خبط الرجال لأرجلهم على الأسطح، وهم متقاربين متراصين، كانوا يطلبون المساعدة من الإله، ليعينهم على عملهم، وعلى تصديهم للطبيعة، فيكررون معاً: العَون.. العَون. هذه الفرضية يشير إليها الموسيقار زكي ناصيف، في تتبعه لجذور دبكة الدلعونة، والهوارة في لبنان، هاتان المتلازمتان للدبكة، في سبيل تُنشيط الراقصين، وبث الحماس في نفوسهم، وليكون الخبط بروح موحدة. ولنا أن نعيد أصل البدايات إلى جذر اجتماعي، يروى فيه أن “الدَبِّيكة” كانوا يتجمعون بطلب من أحد ما لتمهيد طريق عبر سيرهم عليها بحلقات دبكة وخبط الأقدام بها، كما هو الحال الذي أوردناه بقصة تسوية أسطح البيوت الطينية. دلالات المقدس الديني رقصة الدبكة تحمل في جانب من تمثلاتها ظلالا مقدسة لبداياتها، ذلك أن سياقاتها تكون بحركة دائرية، أو قوسية، تدور حول نقطة ما تمثل المركز والمحور، كأن هناك شيئا في الوسط، وهذا الأثر نتلمسه أيضا في كثير من الرقص الروحاني، ولا سيما الصوفية، كما أن الحضارات القديمة كانت ترقص وتدور حول وثن يمثل أحد الآلهة للتعبير عن عظمته وتقديم الامتنان له. في حضارات بلاد الشام القديمة، حضارة كنعان، كان هناك الرب أو السيد أدونيس، يوازيه في بلاد الرافدين تموز، ولعل أسطورة موت أدونيس وعودته إلى الحياة، والطقوس المرافقة لهذه الأسطورة إيحاء بجذور أولى لفن رقص الدبكة. في الحضارة الفينيقية والكنعانية القديمة، توارثت الأجيال المتعاقبة عادة إقامة الشعائر التي تمثل موت أدونيس وعودته إلى الحياة، فقد كانت نساء مدينة بيبلوس (جبيل) يبكين موته سنوياً في موكب حاشد تسوده رقصات الحزن وأغانيه ودموع الباكيات ونوح النادبات وصيحاتهن المدوية ولطمهن الصدور، بينما في اليوم التالي يحتفلن بعودة أدونيس إلى الحياة وارتقائه منها إلى عالم السماء بحضور أتباعه. لقد كان الكاتب السوري لوقيانوس (في العصر الروماني) هو الذي تحدث بوضوح، لأول مرة، عن أدونيس في كتابه «الآلهة السورية»، وفي سياق تتبع الأسطورة ويقع في جبيل معبد عشتار (أفروديت) رفيقة أدونيس، ويقع المعبد الآخر في أفقا حيث ينبع نهر أدونيس (نهر إبراهيم) الذي تتلوّن مياهه كل عام بلون الدم الذي تتجدد به ذكرى الجرح المميت الذي أوقعه الخنزير البري في جسم أدونيس في هذا الموقع. وتقام الاحتفالات لتخليد ذكرى أدونيس في مدتين أساسيتين: ففي الأولى منهما يسيِطر الحزن ِوتنشد المراثي ويرافق ذلك قربان مأتمي، أما في الثانية فيقوم الناس بالطواف وهم يرافقون رجلاً يمثل أدونيس الحي. وفق هذه المرجعية الحضارية والأسطورية في جانب منها، فيمكن الولوج إلى جذور الوعي بدبكات بلاد الشام، ومنها على سبيل المثال الدبكة السريانية والجزراوية عموما، المنتشرة اليوم في الجزيرة السورية، في دلالة هذا التراث الفولكلوري الذي يماثل رقصات إيحائية كانت تؤدى عند احتفال الشعوب القديمة (الكنعانويون، الفينيقيون، السومريون، والبابليون)، بعودة الإله من العالم السفلي بعد فترة موات قسرية، فيوحي للطبيعة أن تعود للخلق والإخصاب بإزهار الأشجار، والشروع في الزراعة وبدء نضج القمح، واستئناف الحياة دورتها الطبيعية بعد الشتاء الحزين على غياب الإله، فتبدأ احتفالات الربيع لقيامة الإله بنفحة شعورية تتدفق فعلا جمعيا لا فرديا في طقس شعبي يشترك فيه الكهنة، ولا يغيب الرقص الاحتفالي عنه. إذن فالدبكة السريانية والجزراوية عموما تدل على هذا التراث الفولكلوري الذي يماثل رقصات إيحائية كانت تؤدى عند احتفال الشعوب القديمة بعودة الإله من العالم السفلي بعد فترة موات قسرية. هذا التراث غير المادي استمر مع الفينيقيين مع مزجه بروحانيات محلية تتماشى مع بيئتهم، وبما أنهم أول المسرحيين في تمثيليات الربيع، فقد أدخلوا إليها رقصات إيحائية تتماشى مع النص الدرامي، فأدوا تمثيليات شعرية تصور حكاية الخِصب وقيامة الإله، وثمة رسومات ومنحوتات ونقوش متفرقة تصور كهنة يمسكون بأيدي بعضهم يرقصون رقصة تُشابه الدبكة الحالية، مع عازف مزمار يؤدي أنغاما ترافقهم. ويعتبر الرقص نوع من أنواع التعبير لحاجة ما، وهو حالة اجتماعية يتهادى فيها الفرد داخل الجماعة التي تعتقد أن اجتماعها سيكون في حالة إيمانية، لأنه منبثق من وعي جمعي يستعطف الآلهة، وذو تأثير أبلغ. وتترافق احتفالات الربيع في بلاد الشام اليوم مع رقص تعبيري يحاكي الفرح بالاخضرار والإنبات، فعلى سبيل المثال للكرد دبكة شعبية يؤدونها في احتفالاتهم بعيد النيروز، يتفردون بها تدعى في الكردية ديلان. والدبكة نوع من أنواع التعبير لحاجة ما، وهو حالة اجتماعية يتهادى فيها الفرد داخل الجماعة التي تعتقد أن اجتماعها سيكون في حالة إيمانية. وإن النفس البشرية لا تفرح بلا حركات ترافقها، ولا تحزن من دون تحركات جسدية تعبر عنها بدفقات شعورية تنعكس على الجسد، حتى في حالات التضرع والابتهال يكون الإيماء الجسدي وسيلة في التعبير، لذا ينحو خزعل الماجدي إلى أن هذه الدبكات عبارة عن رقصات لاستسقاء المطر في حالات استغاثة الآلهة، وأن البدو في سوريا والعراق ما زالوا يؤدونها بالطريقة ذاتها مع بعض التمايزات. وحتى الوافدون إلى بلاد الشام، من شعوب بلاد الجبال البعيدة، مثل الشراكسة القادمون من القوقاز، يتشابهون مع أهل بلاد الشام في رقصتهم الجماعية، من خلال تشكيل حلقات عبر مجموعة راقصين يصطفون إلى جانب بعضهم، فتمازجوا بفولكلورهم مع الفلكلور المحلي. إيحاءات الدبكة يعلو قرع الطبل وتتعالى معه خبطات الأقدام بالأرض، كأنها خبطة واحدة في حالة جمعية يندمج الراقصون المشتركون فيها، رجالا ونساء، في جسد واحد، فتمسي الأقدام قدما واحدة تُتابع قائد الرقصة الذي يمسك سبحة يلوحها في الهواء، لتكون رابطا معنويا له تساعده على الاحتفاظ بالنسق الذي يسير عليه، حتى يهتدي به بقية الراقصين.. تلك هي رقصة الدبكة المشهورة في بلاد الشام. ولكل منطقة دبكتها، وفي كل منها تسمية خاصة. تتبعثر التسميات والأنواع، لكنها تتشابه في الحركات واعتمادها على الأرجل، وتختلف في الإيقاع والحركات وعدد الخطوات، فعناصرها الأساسية تتجلى في حركة منتظمة بإيقاعات متوازنة، تتواتر الحركة فيها دوريا بلغة تعبيرية تعتمد على حركات الجسد الجماعي، فترتفع الأرجل مع بعضها ويكون الخطو متباعدا متساويا حتى يصل إلى خبط الأرض في اللحظة ذاتها، فيحسبها السامع خبطة قدم واحدة. فالدبكة، رقص شعبي ريفي، فيه خطو متقارب متحد متزن، ثم يضربون أرجلهم بسرعة في الأرض، ويقفزون إلى غير موقفهم الأول قفزة واحدة وهكذا دواليك حتى تتم الحلقة دروتها. لقد أمست الدبكة في المراحل السابقة تراثا ريفيا، تسللت إليه بعد انهيار الإمبراطوريات السابقة التي كان تمارس طقوسا تتضمنها في دراميات تجسدها على المسارح في المدن الكبرى، فانحرفت إلى الريف بعدما صارت المدنية تنفر منها، لكنها عادت اليوم إلى الانتشار في المدن مع الهجرة التي قصدتها، ولنزوع الناس إلى التقاليد والكلاسيكيات حنينا إلى الماضي. طقوس وتحولات بين الدبكة كطقس شعبي يمتد إلى الزمن الوثني، وبين الدبكة كفرق فنية محترفة تقدم عروضها على المسارح في المهرجانات والحفلات، جوانب ينبغي التطرق إليها، تبين مراحل التبدل والتحول التي طرأت على مسار الدبكة وطقوسها. يلاحظ أن دبكة الناس العاديين تختلف عن تلك التي تقدمها الفرق المحترفة، فإذ كانت الأولى تقوم على متعة الحركة للراقصين أنفسهم وتكون دون ملابس احتفالية وتحمل رتابة في جوانب منها لدى الحضور، فالثانية تكون أكثر سرعة وحيوية وتنوعاً ومخصصة لترفيه لجمهور، وهذا ما يتجلى في فرقة «كركلا» الشهيرة في لبنان، وذات الطابع الشعبي، وكذلك في فرقة أورنينا السورية. يمكن الحديث عن دور الأخوين رحباني وفيروز في تطوير الدبكة اللبنانية، بعد أن كانت كل منطقة تمارس أشكالاً متنوعة من هذا النوع من الرقص بحسب المناسبة، حيث قدّم الأخوان رحباني نسخاً لبنانيّة مختلفة من الدبكة في أعمالهم المسرحية، وأصبح الفولكلور بين أيدي الرحابنة شيئًا آخر، ذلك أنهم تجاوزوا الفولكلور اللبناني وابتكروا فولكلوراً أكثر تطوراً... غسلوه، طوّروه، نمّوه، وجعلوه رحبانيّاً خالصاً، وأخذوا عطايا الفولكلور من مصادره الأوليّة: أنغامه وإيقاعاته، وأحيوه مجدداً. أو يمكن القول إنهم أدركوا الوجدان الفولكلوريّ العميق، وقبضوا على الوجدان الشعبيّ، الجمعيّ والتاريخيّ، وأطلقوه إلى فضاء جديد، فضاء مفتوح على الإمكانات الإبداعيّة كافة. لم يبقَ الفولكلور مع الرحابنة، خصوصاً عاصي، مادة ثابتة وببغائية، بل تحوّل إلى كائن حيّ ينمو ويتطور، يتفرّع ويرتفع. وبينما كان الرحابنة مأخوذين بعفوية الدبكة بين «الفلاحين»، كانوا أيضاً واعين بحدّة لضرورة صقلها.
كما أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الدبكة ليست مقتصرة على لبنان وفلسطين والأردن وسورية والعراق، فهي هي الرقصة الشعبية لبلدان أخرى مثل تركيا والأكراد ودول البلقان، كاليونان ومقدونيا وصربيا، وبعض دول أوروبا الشرقية كروسيا ورومانيا وبلغاريا، وقد تأثرت دبكة بلاد الشام أيضا بهذه الشعوب، خاصة عندما توسع حضور روسيا في المنطقة، أو من خلال البعثات الدراسية وحضور الفنانين والمؤدين في تلك البلدان. ومع تطور المجتمعات في بلاد الشام، والتحولات الرأسمالية، خاصة بعد الاستقلال لتلك الدول، انتقلت الدبكة من الريف إلى المدينة، وهاجرت مع من هاجر من أهالي الريف في عمليّة التمايز الاجتماعي المتسارعة والمرتبطة بنمو القطاع التجاريّ والماليّ والسياحي وتوسعه، حيث خلف المهاجرون في الريف الأرض تبور فيها الزارعة وتنحسر وظيفتها الإنتاجية لصالح الوظيفة السكنية - الاستهلاكية. خلال تلك العملية، ولد الفولكلور بمعناه الحديث، بما هو عملية إحياء للثقافة الشعبية على المستوى الوطني العام، فانتقلت الدبكة من الحقل والبيدر إلى المسرح ومن ساحة القرية إلى المسارح وقاعات الفنادق واستوديوهات الإذاعة والتلفزة، ولم تعد الدبكة رقصة أبناء الأرياف وحدهم، يؤدونها بالسليقة أباً عن جد، صار يؤديها راقصون محترفون درسوها في المعاهد، وصارت تدريجيا لازمة من لازمات الاحتفالات الوطنية، والدفاع عن الموروث الحضاري والثقافي.
نبض التراث · الأردن
الذاكرة الأردنية — نبض التراث
الدبكة
فن الدبكة.. بين الأسطورة والفرح

02 / ألبوم المكان
صور الدبكة
ما ورثته الأيدي وحفظته القلوب، يبقى نابضًا في تفاصيل حياتنا.

