نبض التراث · الأردن

الذاكرة الأردنية — نبض التراث

شجرة المهراس

شجرة المهراس.. مهابة الزيتون وحكاياته

شجرة زيتون وأغصانها
01 / 05شجرة زيتون وأغصانها

الروايات التاريخية والتقاليدية من المصدر، وليست تحققاً مستقلاً.

ما يرد عن الطب الشعبي في هذا النص ليس نصيحة طبية.

شجرة المهراس.. مهابة الزيتون وحكاياته فاتناً كاصفرار الذهب، أو قاتماً كمِداد المحابر.. وهو على أذرع الشجرة المبارك، شجرة الزيتون، يتدلى كعناقيد العنب، ويجوز تشبيه المقدس بالمقدس، فالكرمة توأم شجرة الزيتون. *** تلك الشجرة النابضة بالحياة، تعانق التراب، تغوص جذورها في البلاد، وتمتص من رئة الأرض دلالات معنى شجرة الزيتون، فهي ابنة التراب، جسدها نور، وأغصانها أذرع تدعو في تقربها للسماء. *** شجرة الزيتون موغلة في تاريخ الأردن، ولها معان ودلالات عند الناس هنا، مرتبطة في كثير من مناحي حياة العائلات، ولها عناوين ومسميات وطقوس وعادات اجتماعية ارتبطت بها. وكما أن للبشر آباء وأجداد، فإن لشجر الزيتون سلالات وأجداد في الأردن، أعمقها تاريخا وعمرا هي شجرة الزيتون المسماة بـ “المهراس"، تلك الشجرة التي امتد عمرها مئات الأعوام، وبقيت صامدة معطاءة على امتداد التاريخ. وكما أن لكل رمز في وجدان الشعوب قصة تعكس أسباب تعلقهم به، كذلك فإن لشجرة المهراس حكاية تروى في الثقافة الشعبية الأردنية، لما لهذه الشجرة من علاقة مشتبكة بتربة الأرض، وعادات الناس وتاريخهم الشفوي، وهنا نروي حكاية المهراس في الأردن. *** تشير ذاكرة كبار السن في الأردن إلى شجرة المهراس، بأنها جدة كل أشجار الزيتون، واطنت الأردن منذ نحو 5400 عاما قبل الميلاد، وما زالت شجرة مهراس (هضيب الريح) في منطقة رم جنوب الأردن حاضرة، صامدة، شاهدة على حوالي ألف عام من ذاكرة الأرض التي أحتضنتها، وهذا هو عمر الشجرة الحاضرة كأنها كهل عارف بكل تاريخ البلاد. *** وقد سُميت هذه الشجرة بالمهراس تشبَهاً بالجمل المسن الكبير الذي يهرس الطريق حين يمشي، فهي شجرة طاعنة في السن، تهرس التراب لتتغلغل فيها، فتمتد جذورها عميقا في المكان والزمان. *** ولأن الأردن هو الموطن الأصيل والأقدم لشجرة المهراس فقد كان لهذه الشجرة تسميات متعددة، بحسب المناطق التي توجد فيها، ففي منطقة ميسر الموجودة في قرية الهاشمية شمال الأردن تسمى المهراس، بينما هي شجرة الكفري أو العتيقة وأحيانا يصفونها بـ "العتقة"، في مناطق تواجدها في محافظة إربد في جديتا وكفر الماء وفي جرش. أما في الطفيلة، ومنطقة قرقور في بصيرا، وقرية بصيرا وصنفحة وضانا، يطلقون على شجرة المهراس اسم "الرمّي". وفي الكرك ووادي رم فاسمها الرومي، وهذا الاسم منتشر في أماكن كثيرة أخرى في الأردن حيث تنمو شجرة المهراس. *** كما أن هناك تمييزا في الاسم بين أشجار المهراس، بحسب حجمها وقِدَمها، إذ يُطلق اسم عود على الشجرة غير المعمرة، واسم القرعود على شجرة الزيتون متوسطة الحجم، إلَا أن اسم المهراس تمتاز به الزيتونة المعمرة كبيرة الحجم، التي تحتاج إلى أذرع ثلاثة رجال لتطويقها. *** يمتد حضور شجرة المهراس عميقا في الوجدان والذاكرة الأردنية، وحضورها بقي راسخا في ثقافة المجتمع منذ أقدم العصور، فحبات زيتونها وجرار زيتها، هي مونة البيت الأردني، بعد أن تكون العائلة كلها رجالا ونساء وأطفالا قد ساهمت في قطاف حبات الزيتون بطقس جماعي، فيه يتوارث الأبناء عن الآباء تلك الخبرة بالمهارات والمعارف والطقوس الخاصة بشجرة المهراس، ويحافظون عليها، وقد تتشارك فيه عدة عائلات أيضا، كتعبير عن روح التعاون داخل المجتمع هذه العادة المتعارف عليها شعبيا بـ “العونة"، وهذا التفاعل الاجتماعي مع شجرة المهراس، الزيتون الرومي، فيه راحة للنفس، وتكافل اجتماعي، حيث يرد في المثل الشعبي أن "الزيتون الرومي، زيته سيّال، ولقاطه بهدّي البال". *** ويتخلل هذا الطقس الجماعي ترديد الأغنيات وتذكر الأمثال الشعبية والقصص المروية التي لها علاقة بشجرة المهراس، ثم بعد القطاف يكون فرز الزيتون، وبعدها يكون نقله إلى المعاصر الحجرية أو الحديثة لعصره واستخراج الزيت منه، حيث أن نسبة الزيت في ثمار شجرة المهراس تصل إلى ثلاثين بالمئة، فهي شجرة الخير والبركة والعطاء. تلك الأغنية، في وقت قطاف الزيتون، ترددها العائلة، ويحتفي بها الأهل ببركة الزيتون وبالجمع الخيّر من الطيبين حول هذا الشجرة المباركة، فيكون الترديد بقلب واحد، وصوت مهيب: (يا زيتونا يا حامل على امه يا زيتونا يا ميمتي يُمه على دورنا اللي يريدنا يجي على دورنا يا ميمتي يما ييجي عادورنا واللي يحبونا ييجوا عادورنا يا هلا وحيا الله يا زيتونا يا حامل على امه يا زيتونا يا ميمتي يُمه) *** مباركة هي شجرة المهراس، تلك الشجرة التي يقدرها زارعوها، ويتمسكون بكل موروث متعلق بها، أباً عن جد، حتى تلك الطرق التقليدية في عصر ثمارها، حيث تورد الأمثال الشعبية لأهل القرى أن (الزيت الطيب.. من الشجر للحجر)، فكانت وما زالت تلك المعاصر الحجرية القديمة (صديقة البيئة)، حاضرة في بعض القرى الأردنية، كما في قرية تبنة في محافظة إربد، والتي تتكون فيها المعصرة الحجرية من الجاروشة والبدّ والمكبس، حيث يعصر فيها الزيتون بعد أن يسلق ويجفف. *** ثرية هي حياة الفلاح في القرى الأردنية مع شجرة المهراس، فهي بعض سيرتهم وتفاصيلهم اليومية، حيث كان يجلس كبار السن من أهل القرى في مواسم قطاف زيتون شجرة المهراس، يحيط بهم الأبناء والأحفاد في استراحتهم، ليسردون لهم ما تيسر من حضور شجرة المهراس في الذاكرة والمخيال الشعبي، لأنها مباركة ومشتبكة بالوجدان الجمعي، فكان أن حيكت حولها قصص وحكايات وطقوس: *** كان للأعراس والأفراح طقس مرتبط بشجرة المهراس، حيث أن العريس، قبل أن يزف إلى عروسه، كان يخرج من منزله، أو منزل أحد أصدقائه، بعد حمام العريس، ويسير معه حشد الأصدقاء فرحين به نحو أكبر أشجار المهراس في القرية، والتي يطلقون عليه اسم الشيخة، ليتبارك بها العريس، فيكون أول زفاف له هناك، حيث يكون الغناء، وتقام حلقات الدبكة والسمر تحت شجرة المهراس. *** وعندما يحتبس المطر، ويتأخر هطوله، كان كل أهل القرية يسيرون حشدا وهم يدعون ويهللون، إلى أن يصلوا شجرة المهراس (الشيخة)، ويقفوا هناك متضرعين، مرددين، بطقس جماعي: (يا الله الغيث يا ربي تسقي زريعنا الغربي يا الله الغيث يا فتاح يا عليم السبع ارواح يا ربي ليش حابس تسقي زرعنا اليابس يا الله الغيث يا رحمان تسقي زرعنا العطشان يا الله الغيث يا دايم تسقي زرعنا النايم). *** وأشهر طقس ديني، كان يقام تحت شجرة المهراس (الشيخة)، هو المولد النبوي، في ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يجتمع أهل القرية هناك، ينشدون ويرددون: (مولاي صلي وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم مولاى صلي وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم يا رب صلي عليه يا رب صلي عليه يا رب صلي عليه صلوات الله عليه). *** أما النساء في القرى، فيسمين أكبر شجرة مهراس في القرية بشجرة البركات والأمنيات، وكن يقمن بتعليق قطع خضرا من القماش، تسمى النذور، على أغصان شجرة المهراس، من أجل أن تحل البركات عليهن وعلى عوائلهن. *** ومنذ قديم الزمان، كان يشكل زيت المهراس، وثمارها، جانبا أساسيا في ثقافة الطعام في الأردن، فزيتها يحضر في كل بيت كغذاء وكوجبة إفطار صحية تتكون من الزيت وحبات الزيتون المخلل، إذ يعتبر "الزيت.. عامود البيت". *** كما أن زيت المهراس يحضر في الوصفات الطبية، كجزء من موروث الطب الشعبي، وقد تم توثيق فوائده للجسم في الأمثال الشعبية حيث يرد أن "كُل زيت، وناطح الحيط"، و "كل زيت عالريق بتصير أوتوماتيك"، و "الزيت.. مسامير الرُكَب"، ولذلك فإن أهل القرى في الأردن يستخدمون زيت شجرة المهراس كوصفة طبية للتخفيف من حدة بعض الأمراض الجلدية كالحساسية، وكذلك يدهن به الجسم لتقوية العظام وتسهيل حركة المفاصل وفي مستحضرات التجميل. *** وما زالت الجدات والنساء في القرى يغلين أوراق الزيتون، ويستخدمنه كعقار لكثير من الأمراض، ولتقوية مناعة الجسم. وأيضا تستخدم هذه الأرواق، الأخضر منها والجاف، لتكون أعلافا للماشية في مواسم قطاف الزيتون، وكذلك عند تقنيبه، والعناية فيه. *** أبدع المخيال الشعبي في الأردن، في جعل شجرة المهراس، جزءاً أساسيا من ثقافة المجتمع وموروثه، فاستثمر الفلاح في القرية هذه الشجرة بكل تفاصيلها، ليحافظ عليها، ويستفيد من كل ما تنتجه، إذ استخدم ما يقنب من شجرة المهراس من أخشاب أغصانها في توليد الحرارة، كما أنه يتم تجفيف مخلفات عصر ثمار الزيتون، بعد أن يعمل على تشكيل جفت الزيتون على هيئة كرات، يتم استخدامها في إشعال نيران الطابون لصناعة الخبز، وفي الشتاء تستخدم في مدافيء الحطب للدفء. *** كل ما في شجرة المهراس هو مصدر عطاء لأهل القرى، يستغلونه في جوانب حياتهم ومعيشتهم، حتى أغصانها الجافة لا تهمل، بل تدخل في الفن لإنتاجها لوحات وأيقونات فنية تباع في البازارات ومراكز الفنون اليدوية الشعبية، كما أن نواة ثمرة الزيتون، يتم استخدامها في صناعة المسابح والعقود والأساور في كثير من القرى. *** وتبقى شجرة المهراس حاضرة في التراث الثقافي غير المادي في الأردن، يحافظ الأردنيون على المهارات والمعارف والطقوس المرتبطة به، ويتساوى في هذا التفاعل الواعي الرجال والنساء، خاصة في الممارسات الثقافية ذات البعد الاقتصادي، التي تساهم في التنمية المستدامة العادلة. ***
02 / ألبوم المكان

صور شجرة المهراس

ما ورثته الأيدي وحفظته القلوب، يبقى نابضًا في تفاصيل حياتنا.