طبقة فحل.. التاريخ وحكاية الناس! منذ القدم وهي حافظة الاسم، معتزة بتجلياته..
تلك القرية هي طبقة فحل، في الأغوار الشمالية، من محافظة إربد.
"طبقة فحل".. كنعانية الجذور، كان اسمها "فَحيلو"، حيث تتنامى تجلياتها كل مرحلة فيها صانعة لها تاريخا يقترن حينا بحضارات كبرى كالفرعونية، والرومانية، والإسلامية، وحينا تعود لترزح تحت وطأة الإقطاع، والثورات، وقصف المدافع والطائرات، أو الغرق في مياه النهر أو القنوات والبرك القريبة. هذا كله كان قبل أن تتراجع المدينة لتصير قرية تنضوي تحت لواء قريب من الغور وليس بعيدا عن المرتفعات المحيطة به. عربات الفراعنة يروي التاريخ أنه، وبالتزامن مع الفراعنة، كان لطبقة فحل حضور جعل منها مدينة دينية وعسكرية معا، وأقيم فيها مؤتمر لتوحيد الأديان، رعاه آنذاك اخناتون (أمنحوتب الرابع) الفرعوني، وحاتسليس الحِثّي، وفيه تم الاتفاق على توحيد الآلهة في طبقة فحل.
كما كان من أهم مهماتها العسكرية في تلك الحقبة أن تصنع العربات العسكرية لجنود فرعون مصر وكان ذلك في عهد "تُحُتْمُس" الذي سخّر أهلها لهذا العمل إلى أن خرج من بينهم أمير اسمه "قادش"، قاد انتفاضة على الفراعنة. ما جعل "تحتمس" يقود حملة إلى هذه المدينة التي تجرأت عليه ليقمع انتفاضتها، ويقتل "أمير فَحيلو" التي كانت تؤلّه "بعل" الكنعاني.
حجارتها لا تنسى تاريخها، ولا تغفل ذاكرة القتال الذي دار بين المؤابيين والباشانيين فيها، وغزاها المقدونيون، حيث وضع الاسكندر الكبير يده عليها وأسماها "بيللا" التي تعني "الزهرة"، ثم مرّ عليها المكابيون بقيادة الاسكندر جانوس المكابي. وبقوا فيها إلى أن جاءها الرومان، فاستولوا عليها على يد بومبي، وجعلوها إحدى المدن التجارية العشر (الديكابولس)، وصار تقويمها السنوي بعد ذلك يؤرخ بيوم احتلالها وإخراج المكابيين منها.
في العام 454م اعتنقت المدينة الديانة المسيحية وبنيت فيها الكنائس إلى أن صارت مركزا لأبرشية فلسطين في القرن الرابع الميلادي.
مرّت سنوات.. جاءها الفتح الإسلامي، وقاد شرحبيل بن حسنة معركة تحريرها من البيزنطيين على سهل طبقة فحل في المعركة المعروفة باسم هذا المكان بتاريخ 23/1/635م، وكانت معركة فاصلة مع البيزنطيين الذين هدكوا السدود حول طبقة فحل قبل أن ينهزموا فجعلوا القرية نهبا للماء وأغرقوها قبل أن تسلم إلى المسلمين.
وبقيت القرية وآثارها خلال المراحل الإسلامية، على امتداد عهودها، وفي خربتها آثار مسجد ما زالت أساساته التي تم ترميمها تشي بتاريخه الذي يعود إلى عهد المماليك.
ولعل بعض تلك الآثار منقوص، ومنهوب، لأسباب عدة، منها بشري، أو بفعل الزلازل، التي كان أقواها في عام 747م والذي هدّم كثيرا منها.. هذا بعض بوح القرية عن ماضيها.. الباب العالي يعرف أهالي قرية طبقة فحل أن "الأرض نمرة واحد" منها تعود إلى شخص يدعى "ليحو"، ويقال أنه كان من قرية أم الفحم في فلسطين، بينما كان النافذ في طبقة فحل وصاحب الأمر والنهي بشير الغزاوي، الذي كانوا ينادونه بالأمير، وكان مسيطرا عليها.
قام الأتراك بنقل "ليحو" إلى طبقة فحل، وأقطعوه القرية بأمر من الباب العالي، فحدّ من سلطة بشير الغزاوي وصلاحياته، وحمى الأرض، التي وضع يده عليها، وبقيت من بعده لنسله إلى أن أتت حكومة الإمارة وفوّضت تلك الأراضي للناس المقيمين في المنطقة، ولم يتبق من سلالة "ليحو" في الفترة الحالية إلا اثنان وهما أحمد الذي توفي، وحفيد آخر هو عسكري متقاعد اسمه سلطان.
بقيت القرية تنسج تاريخها وحضورها من حراك السكان فيها، أولئك الذين يعتبرون تجمعا من أهالي القرى المجاورة، غير أن 70% منهم حضروا إليها من لواء الكورة، وكانوا تجار حلال فاشتروا الأراضي القريبة والمحيطة بالقرية التي اختاروها لأسباب تجارية تعود إلى قربها من فلسطين التي كانوا يرتبطون معها تجاريا وبأسواق المدن غربي النهر والساحل الفلسطيني.
في البدء سكن هؤلاء بين الآثار، هناك في الخربة القديمة من طبقة فحل، في الخمسينات من القرن الماضي، ولم يكن عددهم يتجاوز الخمسين شخصا، إلى أن تم ترحيلهم منها عام 1973م بطلب من دائرة الآثار، فكَوَّنوا القرية الحديثة من طبقة فحل. الخربة القديمة مجرى وادي الجرم..
هو سيل الماء الذي كان ينساب وسط ما تبقى من حجارة تاريخ القرية القديم، وكان يضفي ألقا، ورونقا، على المكان، فجرت مصادرته حين تم سحبه حديثا، فبهتت جماليات البقعة هناك، وبقيت الحجارة في مجراه وحيدة بعد أن تلاشى الماء القريب منها.
هذا حال القرية الآن..
الخربة القديمة، وبعض حجارة آثارها التي جرى عليها في عام 1968م سطو من قبل أصحاب البيارات المحاذية لـ"الشريعة" خوفا من فيضان ماء نهر الأردن وتغيير مجراه بحيث يجتزىء بعض أراضيهم باتجاه الضفة الأخرى، فكانوا يعملون حتى يقتنصون مساحات من الشريعة ويزيدون أرض بياراتهم في محاولة منهم لإيقاف تلك التعرجات من خلال نقلهم الحجارة والصخور أمام وجه ماء النهر حتى لا يقترب منهم.
ويروي أهل القرية أن أحدهم نقل أكثر من ثلاثة عشر قلابا من الآثار والخربة رماها في النهر ليحمي بيارته، فتلاشى كثير من معالم الآثار في طبقة فحل.
كما أنهم، في المقابل، يتذكرون بالخير، البعثات التي كانت تنقب عن الآثار بكل محبة وامتنان بدءا من البعثة الاميركية الأولى عام 1959م التي حفرت في منتصف موقع الآثار، ثم جاءت بعدها في عام 1966م بعثة أخرى من كلية "ويسترن كوليج" الأميركية برئاسة البروفيسور روبرت الذي شغّل كثيرا من السكان، فكانت تلك البعثات مصدر رزق لأهل القرية!! حرب الاستنزاف مرتفعات تل الحصن وسرطبة..
هناك كانت تشكل مخبأ للمدنيين أثناء حرب الاستنزاف بعد عام 1967م حيث كانت القرية مستهدفة وعرضة للقصف ردا على أي اختراق من قبل الجانب الأردني أو مدفعية الجيش الأردني التي كانت تقصف العدو من المرتفعات المحيطة بها.
ويصف أهل القرية هذا الرعب بالقول أن بعض الصواريخ التي لم تنفجر في تلك الفترة بقيت حتى وقت قريب تشكل خطرا موقوتا على أهل قرية طبقة فحل، كما أنهم في تلك الفترة تأثرت معيشتهم بسبب قصف المدفعية والطائرات لمزارعهم، مما أجبرهم على اللجوء إلى المغائر والكهوف القديمة، لتصبح مأوى لهم ولعائلاتهم، وكان بعضهم ينام في قبور القرية الأثرية لمدة تصل أحيانا إلى أربع وعشرين ساعة، في تلك الليالي التي كانت سماؤها مكتظة، دائما، بأصوات الطائرات ودوي المدافع، وانفجارات القنابل، وكانت طبقة فحل ترزح تحت كل هذا الرعب.
قصف الطيران يقول الحاج علي إبراهيم الحسين(ابومحمد): كنا نحن المواطنين العزّل نعاني مما يحدث من ردة فعل اسرائيلية في تلك الفترة، لذلك فالكثير من اهل القرية (فَلّوا) منها، ونزحوا من الخربة إلى القرى المجاورة مثل الاشرفية وجديتا هربا من الرعب الذي كان يسلط علينا من طيران العدو، وبقي الوضع على هذا الحال حتى عام1973م.
ويتابع أبو محمد وهو يسرح نظره في الأفق: بعض السكان بقوا في بيوتهم, بينما بعضهم الآخر نقل فقط أغراضه وعياله وبقي الرجال يحمون المساكن.. عائلات قليلة استمرت في اقامتها داخل القرية رغم الرعب حولها، وكان أبي من هؤلاء، وكان له دكان هو ورفيقه حسن المفلح الملقب (بالهبر)، الذي كان شريكه في الأرض والتجارة، وأحيانا كانوا حين يشتد القصف يباتون في المغائر المنتشرة حول القرية خاصة حين تحوم الفانتوم والميراج والمستير (أنواع طائرات كان يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي في تلك الفترة) فوق القرية.
انا بقيت معي عائلتي، وكان يجتاحنا خوف حقيقي آنذاك، وفي البداية، كان الرعب كثيرا خصوصا في أول مرة أرى قنابل التنوير التي تطلقها الطائرات، كان هذا بعد المغرب، وكانت أم محمد "تدك البابور لتصنع ابريق شاي"، فتحت الباب ورأيت التنوير، وفكرت انه من البابور، فقلت لها "طَفّيه", ورمت الطائرة "اللمبه" وانتشر "الضوء"، فخفت وقلت لها وزعي الأطفال على زوايا البيت، وبدأت الطائرات بعد ذلك تضرب، وتقصف، شاهدتها تضرب سيارة عسكرية، وبعد قليل هدأ الجو، فنقلت ام محمد والأطفال إلى خندق قريب وقلت لهم "ما تخافوا بس شهّدوا يا اولادي"، وغطيت الخندق بالخيش اما انا فاختبأت في مكان آخر عند صخرة قريبة.
كانت المشكلة في الطيران عندما يرمي الصواريخ، والكازانات(برميل كبير مثل الصاروخ فيه متفجرات ويعمل حفرة كبيرة)، إضافة إلى الرعب من مدفعية الجيش التي كانت تقصف من فوق رؤوسنا.. كان خوفا بمعنى الكلمة في لحظتها.
ولاحظ أبو محمد أن القصف "لم تسلم منه حتى الحيوانات, مثل حصان جارنا, الذي كان مربوطا شرق داري, ولما طلعت الطيارة الاسرائيلية تحوم فوق القرية كان يركض ويدور من الخوف ومن الصوت، فاقتربت منه الطائرة وقصفته فتقطّع وتهدم معه جدار الجهة الشرقية من بيتي!! عروس الغور قبل ثلاثة أيام كان عرسها..
والفرح مشوب بصوت الرصاص.. وعروس الغور كانت تهيء نفسها للخروج مع زوجها ومجموعة من الحصادين نحو طبقة فحل!!
كان كثير من أهل القرية قد غادروها، ورحلوا إلى القرى المجاورة، لكن أرضهم هناك كانوا قد زرعوها حبوبا، وجاء وقت الحصاد..
السنابل أمام أعينهم، والطيران فوق رؤوسهم..
العائلات تنتظر من يسد جوعها، وكان بعض هؤلاء الأهلين يغامر فيعود إلى أرضهـ ويبدأ حصادها خلسة، وبرعب كامل، فالطيران في أي وقت سيأتي، بعضهم نجا، وآخرون كان نصيبهم الشهادة..
العروس التي خرجت مع الحصادين "الغوارنة"، كانت أساور الذهب ما تزال في يديها، وكأن سوء طالعها قد قادها في هذا الاتجاه، مع الحصادين، وكانوا منهمكين رغبة بالقمح، وخوفا من جهنم الطائرات.
كانت قريبة منهم فبدأ القصف، وبدأ الدم معه، وكانت عروس الغور تلك إحدى الشهيدات، كانوا ستة وكانت هي المرأة العروس بينهم! صافرات الانذار يقول علي ابراهيم الحسين أن أهل قرية طبقة فحل رحلوا منها مكرهين مرتين، الأولى كانت في حرب الاستنزاف، لما عانوه من إرهاب القصف العشوائي واستهداف المدنيين فيها، أما المرة الأخرى فكانت في عام 1990م أيام حرب الخليج الأولى، حين تم تهديد اسرائيل من قبل العراق بقصفها بالصواريخ الكيماوية، فخرج أهلها لاجئين إلى القرى المجاورة.
"لم أخرج". هكذا قال. وكان الجيش الأردني شرق القرية، وكنا نسمع صوت صفارات الانذار في "كيبوتسات الإسرائيليين، وكنا نشعر بالخوف، ولكن في تلك الفترة كانت المعنويات أعلى لأننا كنا نشاهد الصواريخ تمر فوق رؤوسنا وتعرف أهدافها في الجهة الأخرى وليس العكس!! أيام زمان اختلفت قرية طبقة فحل كثيرا الآن..
"أيام زمان كانت أسعار الأراضي ببلاش"، هكذا تحدث كبار القرية، وكأنهم يتحسرون على أيامها الماضية، فدونم الأرض السقي المخدوم بالماء كان بدينارين، أما أراضي البعل فكانت شبه مجانية.
والبيوت كانت بسيطة، وكانوا يبنونها في الخربة حجرا فوق حجر وما كانوا يضعون طينا بين الحجارة، انما كان الطين خارجيا وداخليا، ثم تسقف بالقصّيب، ولما حدث "الزلزال" في الخمسينات، كانوا يسمعون صوت القصيب والحجر، فيخافون، ويخرجون إلى العراء خشية أن تتهدم بيوتهم عليهم.
أما مهور الزواج فكانت مختلفة وبسيطة حتى أنها كانت أحيانا تكون أراضي أو نقودا قليلة أو حيوانات.
ويقول الحاج علي ابراهيم أنه خطب فتاة من القرية، وحين صار الكلام في المهر نقصت عليه نقود (أو بهذا تحجج ليتراجع عن الخطبة) فقال لوالد العروس :"تأخذ هالفرس "توفي" السياق (المهر) منه"، فقال :"لا". ولم تكتمل الخطبة.
وأهل القرية كانوا في أفراحهم كأنهم عيلة واحدة، وكانت "تعاليلهم" على القهوة، غير أن الذين يعملون القهوة العربية بشكل مستمر ومنتظم، كانوا معدودين ومعروفين في قرية طبقة فحل! ***
هذه بعض ذاكرة قرية فحل, بعضها تاريخ، وجزء منها مجبول بالدم والماء، غير أن التفاصيل تتداخل ببعضها البعض، لتشكل في النهاية قرية قصتها مجبولة بطين الطيبة، وبساطة المعيشة فيها!! ***
بوح القرى · الأردن
الذاكرة الأردنية — بوح القرى
طبقة فحل، إربد
طبقة فحل.. التاريخ وحكاية الناس!

سيرة المكان
02 / ألبوم المكان
صور طبقة فحل، إربد
من عتبات البيوت إلى ظلال الحقول، تبوح القرى بما حفظه أهلها.

