داميا.. جيرة النهر، وذاكرة الجسر
النهر شرقا..
قرية كان يسمى باسمها الغور المحاذي لها، فيقال عنه غور داميا وشقاق.
النهر شرقا..
على مسافة سبع وعشرين كم من السلط، حيث يلتقي هناك نهر الزرقاء بنهر الأردن، على مرأى من قرية داميا التي تهب اسمها، أيضا، للتل القديم فيها وللجسر المحاذي لها، فصارا يحملانها عنوانا لهما، مثلما صارت داميا تُعرف بهما منذ قديم الزمان.
داميا..
تُكتب، غالبا، بالألف الممدودة، وأحيانا يتم استبدال الألف بالتاء المربوطة في بعض المصادر التاريخية فتصبح (دامية)، وأصل الكلمة يعود في اللغات القديمة إلى (آدام) بمعنى أحمر، وربما أعطيت هذه الاسم لطبيعة التربة الضاربة على اللون الأحمر فيها من كثرة خصوبتها، وهي منذ القدم تقوم على (تل داميا) الواقع في ظاهر القرية الغربي على مسافة تقل عن الميل إلى الجنوب من نقطة التقاء نهر الزرقاء بنهر الأردن.
وقد ذكرها شيخ الربوة في كتابه "نخبة الدهر في عجائب البر والبحر" في جزء تفصيل القول عن دمشق قائلا: "ومن أعمال دمشق كورة بيت جبريل، وغور مدينة عمتا، وغور دامية وهي الأوسط".
كما ذكر تل داميا في المصادر التاريخية على أنه يسيطر على الأرض الخصبة الواقعة على جانبه الأيسر، ويسيطر أيضا ويحرس المخاضة على نهر الأردن التي بنى عليها الرومان جسرا توجد بعض بقاياه بجانب الجسر القائم على النهر في الوقت الحاضر.
ويشير لويس مخلوف في كتابه "الأردن تاريخ وحضارة وآثار" إلى "أنه يظهر على خارطة فسيفساء مأدبا مكان هذا الجسر بالقرب من مصب نهر الزرقاء في نهر الأردن"، كما أن أهمية موقع داميا قديما كانت في أنها توجد بجانب ملتقى طريق "الجلتلك" الذي تلتقي فيه الطرق من نابلس ومن عمان وأريحا وبيسان.
غير أن للذاكرة الشعبية تداعيات أخرى حول التسمية وتفاصيل أهمية المكان، إذ يفسر البعض بأن أصل الإسم كان "دُمَيّه" المشتق من الدم، لكثرة المعارك والحروب التي وقعت قربها، فسالت فيها الدماء وكأن القرية "مدمية" بدماء كل هؤلاء. ويقرن آخرون الاسم بالماء الغزير والمتوفر فيها فهي عندهم "داماء" وكأن الدال هنا للتعريف بالماء لديهم. *** التل.. و"سنة الطُوفَه"
أما "تل داميا" فيعتبرونه أحد التلال القديمة في المنطقة وله مكانة خاصة لديهم، إذ أنه يقع ضمن سلسلة تلال قديمة أخرى تنتشر في غور الأردن في الشمال، والشمال الشرقي من القرية مثل تل دير علا، وتل الربيع، وتل المحث، وتل المنطح، وما زالت بعثات الآثار تنقب في تل داميا، وقد وجدت فيه عظاما وقطعا فخارية تعود إلى عهود قديمة.
وعن ذاكرة "تل داميا" فأهل القرية يُرجّحون بأن نهر الأردن كان يجري غرب هذا التل مباشرة، إلا أنه مع مرور الزمن حصل زحف وانزياح للنهر وصل إلى مسافة حوالي 1800 متر غرب موقع التل الحالي، تاركا خلفه هذه التربة الخصبة والغنية والتي تسمى بسهل داميا أو (زُور داميا).
ويمكن الاستدلال على هذا الانزياح بوجود نسبة كبيرة من رمال النهر في السهل وعلى أرض الواقع، كما أنه عندما تصبح المياه عارمة في نهر الأردن بعد أن رفدها اليرموك بمياه كثيرة أيضا في سنوات الخير يصير الطوفان، وفي مثل تلك السنوات يمتد النهر إلى مجراه الأصلي في القرية، حتى يصل تل داميا، وفي مثل تلك السنوات والتي مرّ منها على القرية كثير، يصل ماء الطوفان أحيانا إلى منتصف التل، وحتى الجيل الحديث من أهل داميا يتذكر عدة فيضانات للنهر كما حصل في 9/3/1983 ,وفيضان آخر في 5/2/1992، بينما قبل سنتين شهدت القرية ثلاثة فيضانات لنهر الأردن في أيام 22 و27 شباط و 27 آذار من عام 2003، لكن ما تبقى من الجيل القديم يتذكر "سنة الطُوفَه" في أوائل الخمسينات، وقد كانوا يقطنون بيوت الشعر، وبعض منهم في بيوت طينية، وكانوا حول التل حين داهمهم فيضان النهر، فتراكضوا جميعا لاجئين إلى قمة "تل داميا" الذي انقذهم من الغرق هم وعائلاتهم، وبقوا هناك مدة يومين على "ظهر التل" حتى انحسرت المياه وعادوا إلى بيوتهم. *** ذاكرة الجسور
ومثلما ارتبطت سيرة قرية داميا بالتل وبالماء، فلها سجل ومواثيق وتاريخ مع الجسور التي كانت تصل ضفتي الشريعة في أيام السلم والحرب في كل المراحل الزمنية العتيقة والحديثة، ولعل مبتدأ الإشارة مع تسمية القرية إلى الجسر الروماني فيها يدل على عمق ذاكرة الجسور في داميا، إضافة إلى توثيقها في الخارطة الفسيفسائية في مأدبا، كما يذكر جسر الظاهر بيبرس، وهناك جسر عثماني قديم تم ترميمه مع بداية الإمارة لكنه الآن لا يوجد منه إلا بقايا، وأيضا يتذكر أهل القرية جسر الوسط الذي بني عام 1963 وتم نسفه في حرب حزيران عام 1967. *** الأنصاب القديمة
الجهة الشرقية من القرية، وعلى تلة حجرية تطل على قناة الغور يظهر للمراقب والمهتم تشكل مئات الكتل الحجرية التي تتضح لمن يتأملها في أنها عبارة عن مقابر رومانية قديمة، يسميها أهل القرية منطقة الأنصاب القديمة، لكن في بعض تلك القبور(الدولمانز)-أربع قطع حجرية وقاعدة وغطاء— ما زالت تحتفظ ببقايا من معالمها، ويذكر الأهالي هنا أنها كانت مكتملة قبل سنوات، إلا أن الباحثين عن الدفائن خربوها، فأصبحت أطلالا كما هي عليه الآن. *** مقبرة أبو الهول
يحترم أهل داميا منطقة مقبرة أبو الهول في القرية، وهم يسمونها أيضا "دامس أبو الهول"، ويقول الكبار فيها أنه كانت "له حوطة ودايره حجارة"، ويعتبرونه من الصحابة، ومن فرسان المسلمين السابقين وهو من التابعين، وهم يقدسونه لكنهم لا يؤدون باتجاهه أية طقوس مثل المقامات الأخرى في مواقع أخرى من غور الأردن. *** الثائر مبارك أبو يامين
يروي أهل القرية أن بيته كان مستشفى ومأوى للثوار أثناء ثورة عام 1936 في عهد الشيخ عز الدين القسام، حيث كان يزودهم بالسلاح والمال، وكانوا يلجؤون إليه وهم جرحى ليعالجهم، ولذلك فقد كان منزل مبارك ابو يامين في تلك الفترة يعتبر مركزا للثوار على "الحدّ"، في منطقة "مخاضة أم خشيبه" في داميا على الشريعة قريبا من جسر داميا.
وتتذكر داميا أن من الذين حاربوا معه كان احمد النجداوي مع القاوقجي الذي جاء من الشام، وهؤلاء الثوار هم من حافظ على الصلة بين الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين ضد الكيان الصهيوني في تلك الفترة، وقد احتجز الانجليز مبارك أبو يامين أكثر من مرة، إلا أن الملك المؤسس في أيام الإمارة تدخل وأعفى عنه. *** سنوات الحرب
يقول مزيد حمدان المصالحه "أبو محسن" وهو أحد كبار القرية، أن هذه القرية زراعية منذ القدم، وأن منطقة زور داميا كانت ممرا لمعظم الناس من الأردن إلى فلسطين، فكانوا يتاجروا وبعضهم "يروحوا للمصايف في سهل عسكر قبل نابلس"، وكانوا يسكنوا في القرية القديمة قرب الشريعة، لكن في عام 1967 أثناء "حرب الستة" اضطر أهل القرية بعد أن اشتد القصف أن يخرجوا من البلد "منشان عيالهم وحرمهم"، وتوالت المعارك لكنه بقي بعض الرجال في المزارع رغم كل تلك الأخطار، واستمر الوضع حتى معركة الكرامة 21/آذار/1968، وهو يتذكر حادثة أثناء اجتياح قوات الكيان الصهيوني وكان في القرية القديمة "باقي حوالي 36 مزارعا"، هرب جزء منهم، وبقي 11 مزارعا يحاولون الهرب من خلال قناة كانوا مختبئين بها، إلا أن جنود العدو اكتشفوهم عندما حاول احد المزارعين استطلاع الطريق للهرب من القرية، فصوبوا الأسلحة تجاههم، واحتجزوهم، لكن عملية انفاذهم كانت عندما سقطت قذيفة في المكان من مدفعية الجيش الأردني، ووقع الجنود واستغل المزارعون الفرصة وهربوا.
يقول "أبو محسن" أنهم أخذوا الأراضي الزراعية من مثلث العارضة لغاية غور داميا والشقاق، وقتل من المنطقة حوالي "15 واحد"، ومن المزارعين الذين قتلوا يتذكر جاره سالم البخيت الذي كان "راكب تراكتور ومحمل بندوره وباذنجان وكان السائق معه من أهل القرية وهو إبراهيم الفارع"، وجاءت القذيفة الأولى فلم تستطع من إصابة التراكتور لكن القذيفة الثانية أصابت "التريلة"، وأصابت الختيار، وهرب السائق إبراهيم، وترك التراكتور "ماشي"، وبعدها بلحظات أصابت قذيفة ثالثة التراكتور، وبعد أن هدأ القصف قمنا بجمع أشلاء الختيار ودفنه.
ويضيف بأنه كان "آخر واحد طلع" من القرية هو "مزيد الحمدان" (أحد كبار القرية)، ومعظم الناس في تلك الفترة خرجوا إلى قرى مختلفة في البلقاء. *** مدرسة القرية
يتذكر أهل القرية قبل أن يخرجوا منها، بيوتهم الطينية (تراب وتبن مسقوفة بالخشب والقصيب) هناك، ومدرسة الحجر التي أحضروا حجارتها من فلسطين، وكيف بنوها على أنقاض المدرسة الطينية التي كانت "كُتابا" يدرس فيه أبناء القرية، وكانت مقاعدهم فيها كراس من القش (الحلفا)، وحين بنوا المدرسة الحجرية كانت من أقدم مدارس الغور بعد مدرسة الشونة التي "كان اللي يكمل دراسة في القرية يذهب إلى الشونة". *** طقوس الزراعة
ويروون عن الزراعة في تلك الفترة أن أهل القرية كانوا يستخدمون الطرق القديمة في الزراعة حيث كان الري السطحي من خلال قنوات ترابية، وكانوا يزرعون السمسم والذرة (العلفية وغير العلفية) والموز والحمضيات والنخيل والخضروات، وكانوا يعتمدون في حراثة الأرض على المواشي في عصر لم تتوفر فيه الآلة.
وعن زراعة السمسم وطقوس دورته، فيتذكر أهل القرية أنه كان يزرع صيفا بعد حصيد الشعير وفي نفس المكان في منطقة "زور داميا"، ومن ثم يقوموا بإفاضة المياه عليه ليكسبوا موسما صيفيا آخر.
كما أنهم كانوا يتزودوا بالمياه من نهر الزرقاء قبل أن تحفر قناة الغور، فكانوا "يشيدوا السدود الصغيرة مع جريان النهر بشكل انسيابي"، ويقوموا بفتح مجموعة قنوات ترابية للسقاية، ثم في الأربعينات تم عمل قناة إسمنتية طولها حوالي 800 متر تتزود من السيل وتنبثق منها عدة قنوات موزعة بشكل "مفصل شمالي ومفصل جنوبي"، وهناك نظام "لدور سقاية الأراضي" بين الناس. *** رسالة النخيل
قليل هم الذين يعرفون أن داميا التي عانت تارة من الحرب، وتارة أخرى من فيضان النهر، عملت في السنوات الأخيرة على محاولة إيصال رسالة مكتظة ومبشرة بالحياة يعرفها كل من يمرّ بها، وينظر إلى الجهة اليمنى وهو داخل إلى القرية التي عانت من إغلاق جسر الأمير محمد (داميا)، في الآونة الأخيرة، لكنها لم تفقد الأمل بمواثيقها التاريخية في أنها حامية الوصل، وحاملة إرادة الاستمرار.
في تلك الجهة اليمنى، اعلم أيها القادم إلى داميا أن مزرعة النخيل التي استصلحها أهل القرية كانت حقلا للألغام، فحموا ما تبقى من النخيل فيها، وأضافوا عليه، كأنهم يحاولون تحقيق الحلم بأن يتحول كل حقل ألغام إلى مزرعة نخيل، وإطلالة على الحياة.. اعلم هذا أيها القادم إلى داميا، قبل أن تغادرها. ***
بوح القرى · الأردن
الذاكرة الأردنية — بوح القرى
داميا، الأغوار
داميا.. جيرة النهر، وذاكرة الجسر

سيرة المكان
02 / ألبوم المكان
صور داميا، الأغوار
من عتبات البيوت إلى ظلال الحقول، تبوح القرى بما حفظه أهلها.

