بوح القرى · الأردن

الذاكرة الأردنية — بوح القرى

عبين وعبلين، عجلون

عبين وعبلين.. منزل الدولة، و"دقّ العدة"!

شكل صليب منحوت في جدار صخري داخل تجويف
01 / 06شكل صليب منحوت في الصخر.

سيرة المكان

عبين وعبلين.. منزل الدولة، و"دقّ العدة"! متقابلتان، على هضبتين في سهل جبلي، هذا حالهما.. واسمهما عبين وعبلين، هما قريتان الآن، لكنهما فيما مضى من الزمان كانتا مقران لأمير وأميرة ولدا لملك روماني؛ الأميرة اسمها عبين، والأمير كان اسمه عبلين أو عابلين، الذي يمكن تعريف اسمه بالآرامية، أيضا، ليعطي معنى بيت الآلهة. متقابلتان.. وكأن القريتان تنتظران من يفض سرهما، هذا قبل أن ينحصر السر بيد شيخ المتصوفة فيهما، وقبل أن تلمس القداسة أوراق أشجارهما ليكون فيها بعض السر. كانتا منذ مئات السنين تؤامان، وما زال اسمهما حافظا عهد القدم، كلما تعتق فيه الزمان، فصارت عبين ترفل بثوب تاريخها، بينما تعلي عبلين من شأن القداسة فيها، وتبدأ القريتان بوحا لسيرتهما، متداخلتان في الحكايات، مثلما تتداخلان في الاسم والجغرافيا، وكذا حالهما في التاريخ والذاكرة الشعبية أيضا، ومنهما يكون البدء حينا هذيانا، وأحيانا أخرى خيالات تقارب الأساطير والخرافات، لكنها ما تيسر من سيرة القريتين، وجزء عميق من سرهما الذي يحتاج إلى من يفض نواميسه.. هكذا كان الحال، وتلك بعض من أوراق كتابهما. *** ديرليوس، والمقاطع، وخربة عبجل.. حكايا الحجر! على مرتفع من عبين.. هناك ليس ثمة إلا رجل التقيناه قريبا من المكان، يروض فرسا ومهرة معا، ويشكل مع بقايا الأثار قصة لعلها لم تكتمل، بانتظار من يضع بعض نقاط على كل حروفها. قال إن المكان يحتوي على كنائس قديمة، عهدها يعود إلى التاريخي الروماني والبيزنطي، وللاسم لفظ آخر هو دير الياس، أو دار الياس، فكان السؤال التلقائي في أنه هل كان الياس هذا رجلا صالحا يذكرنا بالنبي إيليا، المولود في لستب في عجلون، والتي صارت الخربة القريبة من عبلين هناك تسمى مار الياس؟ أم أن الياس هو الملك الياس أبو عبين وعبلين، الأميران اللذان أسمى القريتين، تمجيدا لهما في حياته، وأقطعهما إياها ميراثا لهما بعد مماته؟ ما من جواب على تلك الأسئلة، لكن تفاصيل المكان العتيق هنا تشي بوجود أبهة الأمارة والأجواء الملكية، هناك بركة رومانية، وبعض مغائر منحوتة في الصخر، متداخلة تفضي كل واحدة إلى الأخرى مع وجود فتحات علوية كأنها كوى تدعوا السماء عبادة وتهجدا، وفي إحدى المغائر ما يوحي بأنها كنيسة قديمة، إذ يتصدر جدارها الداخلي صليب منحوت في الصخر، بحيث أنه يستطيع أي شخص أن يتقمص دور المصلوب، ويقف بكامل جسده محصورا في حدود الصليب هناك. ويرى الزائر قبورا كثيرة متناثرة في دير ليوس، تتضح عليها علامات الإهمال والنهب لمحتوياتها، من كثرة تخريب الباحثين عن الدفائن فيها، أما البركة القديمة فهي بمصاطبها، وتفاصيلها، والأحواض المتدرجة المناسيب فيها تعطي دلالة واضحة على أنها كانت تستخدم مكانا للتعميد بكل طقوسه قريبا من كنيسة الياس. تجليات الدير ساحرة من خلال الدهشة التي يبثها موقعه بين الأشجار والفضاء الساكن، كأنه مرهون منذ القدم ليكون محلا للعبادة وللتطهير وللصلة الساكنة مع ذات الإله. *** المقاطع.. بقايا فسيفساء ليس بعيدا من ديرليوس، هناك تجمع مغائر قديمة، تقع في عبين أيضا، كهوف تتداخل مفضية بعضها إلى بعض من خلال سراديب، وكأنها بقايا مدينة حفرت تحت الأرض. وفيها ثلاث برك قديمة، وكنيسة فسيفساء تعتبر من أقدم الفسيفساء المؤرخة في الأردن، تشي بالتاريخ الموغل في الزمان، إذ أنه وجد فيها نقوش يونانية تزين صحن الكنيسة مكتوب عليها: "المسيح بن مريم في زمن الورع إلى الله أيون الكبير، وبراكون، وماخنوس، ومكدينوس المسؤول عن المنطقة رصفت الأرضية الفسيفسائية بهبات من أهل القرية في 441 ميلادي". هذا ما كان مكتوب لكن الخراب يبوح عن نفسه، وكثير من المعالم التي عمرها أولئك الذين تتحدث عنهم الكتابة مطموس، ولا أثر له في المقاطع التي تحتوي أيضا، اعمدة، وتيجان، وجدران مهدمة، كلها تشير إلى اتساع القرية هنا كجزء مقدس من عبين القديمة. *** خربة عبجل.. لم يبعها مصطفى! كما أن هذه الآثار والكهوف ليست في هذه المنطقة وحدها من عبين وعبلين، ففي القريتين هناك مغائر كثيرة مبنية عليها البيوت، لأن تلك التجمعات السكنية في بدايات تأسيسها كانت تتخذ من تلك المغائر بيوتا لها، ويتحدث أهل عبلين عن أول من سكن عبلين، وهو أحمد الوادي، وله عراق مسمى باسمه، والعراق هو مجموعة مغائر متداخلة ببعضها، وهناك تسميات لكهوف اخرى اخذت سميات من سكنها كمغارة بركات، ومغارة احمد العقلة، وغيرها، كما تمتد الآثار إلى شمال شرق عبلين حيث خربة عبجل وعين ماء قديمة اسمها عين الشعرة حيث اخذت هذه التسمية لأن منسوب المياه فيها كان قليلا، ويجري بخط دقيق كأنه الشعرة فأطلقوا على العين هذا الاسم، وهي جافة الآن، بينما الخربة التي تعود إلى العهود اليونانية والرومانية، فهي مليئة بالمغر والآبار القديمة، وكان صاحبها من اهل القرية واسمه مصطفى خصيوان، بروي عنه كبار السن أنه في الاربعينات من القرن الماضي كان يصدر عنبا من عبلين إلى فلسطين، والتقاه هناك رجل يهودي، فسأله من أين هذا العنب، وأجابه من عبجل، ولما سمع اليهودي الاسم فاوضه على شراء الخربة منه قائلا له خذ أي مبلغ من النقود تريده وتنازل لي عن خربة عبجل، لكنه نهر اليهودي وقال له بإصرار: "لو توزن لي ترابها بالذهب ما بعتك اياها". *** التصوف.. سيرة المشايخ، وطقس "دق العدة" حين خرج أهل القريتين، في البدء، من عين جنا كانوا يحملون معهم تعاليما نورانية تحت راية الطريقة الشاذلية الرفاعية التي ينتهجونها، وقد سميت زاويتهم الصوفية التي كانت في عبين بالزاوية المومنية الشاذلية، نسبة إلى من ساق التصوف إلى هذه المنطقة وهو جدهم الأول علي الجنيدي الملقب بالمؤمن(المومني). تقول ذاكرة القريتين أن الشيخ علي تعود جذوره إلى الجنيد البغدادي شيخ الطائفة الصوفية في زمانه، وأنه جاء في البداية الى عجلون، وقبلها كان يقيم مع أبيه الشيخ عبد الله، وهو متصوف أيضا، في البلقاء داخل قرية موبص بمنطقة البقعة من أراضي السلط، ولهم في تلك البقعة بقايا قصة هناك تقول أنه في زمن الأتراك نودي في الناس لتتم قسمة الأراضي بينهم، فحضر الجميع، وتم قسمة بعض الأرض، إلا أن المكلف بالتقسيم لاحظ أن الشيخ عبد الله لم يحضر، وكان جالسا بعيدا وزاهدا بكل ما يحدث، فاستدعاه، وجاءه الشيخ غير مكترث بكل ما يتنافس عليه الناس، ولما سأله التركي هل تريد أرضا، قال لا فالأرض كلها لله، فأعجب التركي بالجواب، وأخبره أهل المنطقة أنه درويش زاهد، وكان الشيخ عبد الله آنذاك يحمل عصا، فقال له التركي أنا أريد أن أعطيك، فارمى عصاك، والمسافة التي تصلها رميتك هي لك ولأهلك، فرمى الشيخ عصاه، وبقيت تحلّق عاليا حتى أحاطت بكل أرض قرية موبص ثم سقطت أمام الشيخ فاقتطعت الأرض له، وما زال حتى الآن في تلك القرية جبل يسمى جبل المومني، ويقول أهل عبين وعبلين أنهم بقوا يأخذوا خراج تلك الأرض حتى عام 1920. ارتحل الشيخ المومني في البدء إلى عين جنا، هذا قبل حوالي 275عاما، بقي فترة ثم تفرق الابناء في قرى متعددة جاء جزء منهم إلى عبين وعبلين مع نهاية القرن التاسع عشر، وجزء ذهب إلى صخرة، لكن مقام الجد الشيخ علي المومني بقي في عين جنا. قرية عبين كانت حاضنة الزاوية الصوفية قبل أن تنقل إلى صخرة في السنوات الاخيرة، وكان آخر شيخ له كرامات فيها هو الشيخ محمد حسن السبعي الذي توفي قبل سبع سنوات، ويروي عنه أهل القريتين الكرامات الكثيرة، وعنه قالوا أنه كان قبل أن يعطى السر طويل الشعر، يقود فرقة الدبكة في اعراس الشباب في عبين وعبلين، لكنه حين تم اختياره ليحمل السر، وليلبس الخرقة كشيخ للطريقة خليفة في النسب النوراني بعد الشيخ احميّد الذي كان آخر الشيوخ قبل السبعي، اذ أن الطريقة بدأت هنا بالشيخ علي المومني، وتلاه من جاء حاملا السرّ من بعده مثل الشيخ داود الثاني، والشيخ جفال، والشيخ محمد علي، والشيخ قاسم، وكل واحد منهم كان يسلم مفتاح الطريقة إلى من يليه، وحين قاربت وفاة الشيخ احميّد، أتى الأمر بتسليم السر، فاتجه إلى السبعي، الذي اخذ هذه التسمية لأنه ولد ابن سبعة اشهر وليس تسعا، وقال له الشيخ احميد أنت الشيخ من بعدي، ومنذ تلك اللحظة ترك السبعي كل الاشياء الدنيوية التي كان يمارسها، وكان ذاك اليوم بالنسبة للشيخ السبعي هو يوم العطاء من الله، عطاء السر والفتوح، ويقال أن يوم اعطائه السر اجتمع كل شيوخ الطريقة القدامى ليكونوا شهودا على التسليم، والتزم لهم الشيخ السبعي في ذلك الاجتماع بالحفاظ على السر، فكتبوا الوثيقة وكانوا عليها شهودا، ويزيد مشايخ القريتين بأن كل شيوخ المومنية الأموات كانوا حاضرين، في اجتماع التسليم، بما فيهم علي المومني ومعه الجنيد البغدادي. كما يتحدث اهل القريتين، عبين وعبلين، عن قصص كثيرة حول كرامات السبعي في أنه كان يعالج ويشفي المرضى عندما يقرأ عليهم، وأنه كان متزوج من جنية ويتعامل باللغة السريانية، وكانت زوجته الانسية تعرف عن ضرتها الجنية التي له منها أولاد أيضا. عندما توفي الشيخ السبعي بقي أهل القريتين محتارين في الفراغ المتبقي بعده، لأن الشيء الغريب الذي لم يعهدوه في الطريقة، أنه لم يتسلم السر في العلن أحد بعده حتى الآن، والكل ينتظر تسمية الشيخ الجديد الذي يقول بعض الراسخين في التصوف أنه قد تمت تسميته، وتسليمه السر ولكن في السر هذه المرة دون أن يعلن اسمه! وهناك في القريتين، عبين وعبلين، كان حتى عهد قريب طقس دق العدة المرتبط بالمتصوفة، أصحاب الطريقة، وهذا بعض وصف ذاك الحال: حلقة من الذكر، وترفع اعلام لا اله الا الله التي يميزها اللون الأخضر وطول سارية العلم التي تكون ثلاثة امتار، يحملها شخص ويبدأ الذكر باسم الله، بمرافقة صحن من النحاس تضرب قطعتيه ببعضهما فيخرج الصوت مع الذكر، وكلما زاد دق العدة هذه، زاد حضور الارواح، وتكون حلقة الذكر هذه للإنس والجن معا، وكانت تلك الحلقة تسير في الحارات، وأحيانا كان العلم يطير مع صوت الذكر، والدف، ودق العدة، كأنه يبتعد نحو العالم الآخر. ومن الحكايا المرتبطة بعَلم المتصوفة أنه حاول أحدهم سرقة علم الشيخ السبعي، بأن امسك العلم وركض به، لكنه تفاجأ بأن العلم يطير به ويبقيه معلقا عاليا، إلى أن جاء الشيخ السبعي، وأمسك العلم فنزل الشخص على الارض.. هذه بعض طقوس من ذاكرة عبين وعبلين، وغيض من فيض حكايا التصوف والمتصوفين فيها! *** منزل الدولة.. منطقة العزل بين سوف وقرى المومنية التلة المقابلة لعين عبلين.. شارع اسفلتي، ثم تتضح مساحة كلما نظر اليها اهل المنطقة تذكروا تلك الأيام التي انتهت فيها النزاعات بين اهل القرية، ومعها بقية القرى التي يسكنها المومنية، وبين أهل قرية سوف المجاورة لهم، وكأن التاريخ يرجع بهم إلى الفترة الممتدة بين 1921 و1923، ليستعيدوا بقايا ذكرى حادثة النزاعات التي يختصرها الكهول بأنها صارت بعد ان قُتل رجل من قرية سوف من قبل احد ابناء باعون واسمه "دقناس"، وأراد السوفانية ان يمروا من ارض عبلين باتجاه باعون ليثأروا، فرفض اهل المنطقة ذلك طالبين منهم استخدام طريق الغور ليصلوا إلى باعون، وصار خلاف آخر ايضا على المراعي، مما أدى الى وقوع معارك بين الجانبين قتل فيها من احد الاطراف 17 فردا ومن الجانب الآخر 14، حتى أن اهل المنطقة حين يتذكرونها يقولون سنوات الحرب بين المومنية والسوفانية. اشتدت النزاعات، فكان لا بد من تدخل أهل الخير للصلح بين المتعاركين، وحدث هذا من قبل عشائر الشمال إلى أن تحقق الصلح بين الطرفين، ولكن بعد عدة معارك، وعقد اتفاق الصلح في مضافة الهنداوي وبعثوا ببرقية تفصيلية ببنود التصالح إلى الملك المؤسس عبد الله بن الحسين وكان اميرا أنذاك لإمارة شرق الأردن في بداية تأسيسها، فبعث الأمير على اثر تلك التسوية بجيش ليحفظ هذا الصلح ويعززه، ونصب الجيش خيامه في هذه المنطقة قرب عين عبلين منطقة التماس بين أهل سوف والمومنية، وبقوا هناك مدة ثلاثة اشهر، فسميت المنطقة بأنها منزل الدولة، لأن الجيش نزل هناك ، وأحيانا كان الأمير في زياراته ايضا يخيم في ذات المكان فرسخ الاسم أكثر! *** حديث الأشجار.. قداسة، ومهابة هذه المهابة التي تحيط بقريتي عبين وعبلين تكاد تضفي بمعالمها على المسميات فيها، وإذا كان للآثار نصيب حافل من العراقة والقدم، فمن المؤكد أن القداسة التي صارت ترتبط بغير شجرة من أشجار تجعل من المهابة سمة اخرى لهاتين القريتين، ولعل أشجار ابوالوفا التي يمكن الوصول اليها عبر طريق محاط باشجار العنب والخضرة يعطي شعورا بالوداعة والسكينة ما ان يصله الزائر المشتاق، هناك عدة اشجار مباركة تنسب إلى الشيخ ابو الوفا الذي يوصف بأنه لا يرد أحدا اذا طلبه، وكانوا يأتوه ويطلبوا منه وهم يهزون اغصان اشجاره، ويسألون عن الغائبين، أو يطلبون الخِلفة بعد طول انقطاع، ويقال أن أبا الوفا كان رجلا من المباركين الذين سكنو المكان واسمه مأخوذ من الوفاء ونصرة المحتاج، وأن قبره موجود تحت هذه الاشجار العتيقة في الرجم الموجود هناك، وحين تم الحفر في ذات المكان أخرجو منه سيف أبي الوفا وكان من الذهب الخالص. أما اشجار ابو الشعر فهي من السنديان مزروعة في مكان آخر من عبلين وعمرها يزيد على 700سنة ضخمة عتيقة في منطقة مأهولة بالسكان، ويروي القدماء من القرية ان الملك عبد الله المؤسس في أيام الامارة كان يخيم تحت هذه الاشجار في بعض الاحيان، وأحيانا اخرى في موقع منزل الدولة التي سبق ذكرها. وتوجد، أيضا، شجرة الشيخ محبوب التي يقال أن الشيخ علي المومني كان يجلس تحتها ويعطي دروسه من هناك، وكأن الشجرة بقيت حافظة لتلك التعاليم مخلصة لعهدها مع الشيخ صاحب الطريقة الذي أسس نهجا في القريتين وبعض القرى الأخرى المجاورة، فكان انعكاس أثره حتى على الشجر بعد أن غسل كثيرا في نفوس البشر! ***
02 / ألبوم المكان

صور عبين وعبلين، عجلون

من عتبات البيوت إلى ظلال الحقول، تبوح القرى بما حفظه أهلها.