بوح القرى · الأردن

الذاكرة الأردنية — بوح القرى

سامتا، عجلون

سامتا: خمس قلاع تحرس «أم العرقان»

أشجار كبيرة تحيط بطريق وأرض صخرية في سامتا
01 / 05أشجار وأرض سامتا. تصوير: مفلح العدوان.

سيرة المكان

سامتا: خمس قلاع تحرس "أم العرقان"! ---------------------------------------------------- للوهلة الأولى ترى الطبقة العليا من القرية : بشر يتحركون، وكروم عنب، وأشجار تفاح وزيتون ولوز، وأعداد من الأبقار، ومجاميع من الأغنام والدجاج، لكن هذا لا يمثل التفاصيل التي قد تعطي الحلول لأسرار القرية التي اسمها "سامتا"، إذ تمتلك في داخلها قصصا وحكايات هي أبعد من كل وعي. حضور هؤلاء الطيبين الذين يظهرون أول ما تدخلها مستكشفا، لكن لا أحد منهم يعطي سر القرية، وتفاصيل ماضيها، وكأنهم يحتكرون ذاكرتها لهم وحدهم، ولا يريدون شريكا يدوّن ما خفي في ماضيها، أو استجدّ في حاضرها. البيوت هنا مقامة على كهوف عتيقة ومبنية بهندسة حائرة كي تكمل تفاصيل مساكن عتيقة أخرى، وبين كل منزل وآخر هناك بضع آبار رومانية، أو مجموعة مغائر تقام عليها الحياة والبيوت وتستعمل أيضا مآوٍ للأبقار والأغنام. كل مغارة في سامتا، تؤدي إلى كهف قريب منها، لتسمى بعد ذلك في مجموعها "اعراق"، ولهذا فإن سامتا متعارف عليها منذ القدم بأنها (أم العِرقان) وذلك لكثرة تشعب المغائر فيها. هنا.. أكثر ما يعكس وحشة الصمت، في القرية، هو غياب معرفة أهلها بجذر اسمها الأول ليكون الجواب الذي تكرر على ألسنتهم جميعا يعكس معنى وحيد: "من أول ما جينا عليها وهذا اسمها". ومن يعلم منهم شيئا من ذلك المعنى لاسم القرية، فهو يُهوّم تهويما حول اسمها الروماني القديم المنسوب إلى "سامتوس"، أحد قادة الرومان في زمان الإمبراطور "هادريان". و"سامتا" تكتب في بعض المراجع "سامته"، وبالرجوع إلى اللغة يمكن إعادة الاسم إلى السمت والهيئة والمقابلة والمواجهة، ويرد في معجم الوسيط بأنه "سمت سمتا أي حسن سمته". *** هِرقل العظيم ترفض جغرافية القرية إلا أن تبوح ببعض تكوينها، خصوصا وأنها محاطة بخمس صخور بازلتية سوداء ضخمة، وكأنها بشموخها في غير جهة من المكان تحرس "سامتا"، وكأنها أبراجها التي تحيط بها، حتى أن أهل القرية يسمون تلك الصخور بـ"القلاع"، ويتكلمون بتفصيل عنها في أول مقطع من بوحهم على أشهرها التي أسموها بـ"القلعة الزرقاء"، وأخرى تقع في حوض "هرَقْلَه" تشبه قلعة بنيت من زمان القائد "هرقل"، حيث هناك بقايا قصر قديم، ويتحدث أهل القرية عن موروث أسطوري يقول بأن القائد هرقل أقام أو مرّ من هنا فتمّ تسمية المكان باسمه في البداية "هرقل"، ثم جرى تحويره إلى "هرقله"، وهناك توجد قربه شجرة برسيم يصفها أهالي سامتا بأنها قديمة زرعت من زمن هرقل العظيم. مزرعة ساقية تشير الدفاتر العثمانية القديمة إلى أن "سامتا" كانت تتبع ناحية بني الأعسر في شمالي الأردن، والتي تضم في إطارها تسعة وعشرين قرية، بحسب تفاصيل الدراسة التي نشرها الدكتور محمد عدنان البخيت حول ناحية بني الأعسر ضمن المجلد الأول من كتابه "دراسات في تاريخ بلاد الشام-الأردن". وترد "سامته" في "دفتر طابو99" والذي يعود تاريخه إلى سنة "1005ه/1596م"، ولعله من الممكن كتابة تصور عن بعض تفاصيل القرية بناء على تلك المعلومات الضئيلة في ذلك الدفتر، وقصتها كالتالي: قبل ذلك التاريخ"1596م" كانت سامته في "الدفتر العتيق للطابو" يطلق عليها أحيانا اسم "ساقيه"، وتصنف على أنها مزرعة ولم يكن يسكنها أحد، إلا أنه جرى تثبيتها بمسمى قرية في تلك السنة، ودونت داخل سجلات ناحية بني الأعسر في لواء شام شريف. كان في القرية ثلاث خانات(عائلات) ومجردين(أعزبين)، وكان تيماري(إقطاعي) سامته كل من "خليل وسلمان وباقي شركا" وقد كان هؤلاء إقطاعيي قرى أخرى مثل صخره، حيث يستغلون الأراضي ويجهزون الجيش، ويجمعون الضرائب، ويتعاونون مع الدولة. وقد أشير إلى سامته في "دفتر الطابو" بأن محصول الحنطة فيها كان لتلك السنة 13 غرارة (وحدة لكيل الحبوب تساوي 12 كيل، والكيل يساوي 12 صاع، والصاع يساوي رطلين) قيمتها 1950 آقجه (وحدة نقد عثمانية مضروبة من الفضة مشتقة من اللغة الفارسية وتعني الوجه الأبيض)، وخمسة غرارات شعير قيمتها 450 آقجه، كما أنه كان هناك بما قيمته 300 آقجه مال صيفي (المحاصيل الصيفية كالحمص والكرسنه والعدس والذرة وغيرها). تتذكر "سامته" في تلك الفترة أنها، ومعها بقية القرى حولها، كانت تركز في زراعتها على الحبوب وذلك بسبب الحاجة إليه لتوفير العلف لدواب "المحمل الشامي" قافلة الحج الشامي التي تمر من تلك المنطقة. في تلك الآونة كانت الدولة العثمانية تأخذ رسوما على تلك المحاصيل بشكل عام قيمته العشر، لكن تجبر واستبداد الإقطاعيين رفع القيمة على الفلاحين، وهو ما يظهر واضحا في قرية سامته حيث تم رفعها ليكون التحصيل ما قيمته "حاصل قسم من الربع"، أي ربع الموسم. كما أنه كان يربى في سامتا الماعز والنحل وكان يستوفى عليها أيضا ضريبة بلغت قيمتها 300 آقجه. شجرة الجامعة ما زال كلام الجغرافيا حول القرية بعيدا عن تفاصيل حاضرها، فحركة الناس بطيئة، وهناك سكينة ترفرف حولهم كأنهم جميعا يمثلون زهد امتداد المسجد الذي يعود في تاريخه إلى العصر الأموي وهو مبني في وسط القرية ويعد أحد معالمها الأثرية، وقد بقيت بعض بقاياه شاهدة على تاريخ حضوره، وقد بني بجانبه مسجد جديد إحياء لتلك الذاكرة القديمة. كما أن المسجد صار يعرف،أيضا، بشجرة "البطم الأطلسي" المزروعة بجانبه والشهيرة باسم "شجرة الجامع" حيث يُقدّر عمرها بثلاثمائة سنة، وهي ممتدة فوق جدران المسجد القديم، وتظلل ساحة المسجد الحديث الذي بني إحياء لذاكرة القداسة والأذان في المسجد الأموي العتيق الملاصق له. مغارة "أبو هنّاد" يتحدث أهل القرية عن مراحل الاستقرار والإقامة الأولى لهم في القرية، والتي يربطون بدايتها الجدية بعام 1936 حيث كان هناك مسح لأراضي المنطقة بأكملها تقوم به الدولة في ذلك الوقت، وقد جرى مسح الأراضي في "سامتا" وتم تقسيمها على يد مساح يتذكره كبار القرية وكان اسمه "محمد الصمادي"، وقد قسمت القرية بناء على تلك القسمة بين العائلات الموجودة هناك، و"قاموا بدق حدايد بين الأخوة فيها". أما تاريخ السكن الحديث في سامتا فيمكن إرجاع بدايته الفعلية إلى عام 1963 حيث كان يسكنها أفراد من "عائلة القضاة"، ولم يكونوا قد بنوا بيوتا فيها بعد، بل إقامتهم كانت في مغائر أو في خيم قريبا من أراضيهم التي صارت من نصيبهم وكانوا يزرعونها، ثم بعد سنوات جرى بناء بيوت القرية وذلك في عام 1970 عندما شيّد "محمد اليوسف القضاة" أول بيت فيها، هذا بحسب حديث "حامد عوض السليم" أحد مخاتير القرية، الذي قال أن" معظم أهالي قرية سامتا من عائلة القضاة التي جاءت من عين جنا، وكانوا في البداية يسكنون المغائر والخيام قبل أن يستقروا، وكثير من تلك المغر المعروفة لها تسميات عديدة وقد سكنها أهل القرية، لكن أقدمها مغارة "أبو هنّاد" وهي معروفة لكل أهل سامتا. *** يضيف "المختار حامد" أنه بعد أن تم بناء أول بيت في القرية، وسكنت فيه أول عائلة، تبعتها في الاستقرار العائلات الأخرى إلى أن تشكلت القرية بهيكل معمارها الذي نشاهد امتداده في هذه الأيام. وقد كانت الحكومة في تلك المرحلة من تاريخ القرية تعمل على تمليك المواطنين للاستقرار فيها، فكانت تسجلها باسم الذين كانوا يدفعون الرسوم بعد عشر سنوات بحكم وضع اليد، وكان "الواحد من أهل القرية يدفع رسم وضع اليد مقداره ثلاثة دنانير ونصف عن كل دونم في الفترة قبل عام 1972، أما الذي دفع الرسوم بعد عام 1973 فكان يدفع عن كل دونم مائتا دينار". الطابون والمقحار ما زالت قرية سامتا تحتفظ ببيوت الطابون فيها، وقريبا من بيت المختار هناك واحد، موقعه في زاوية من البستان القريب في حجرة مبنية من الحجارة القديمة. والطابون جزء أساسي من ذاكرة سامتا والريف الأردني، وهو يبنى من طين وتبن وعلى شكل دائري وله فتحة دائرية من الأعلى وغطاء، وتوضع داخله حجارة صغيرة تسمى "الرّضاف"، ويغطى بالتبن حيث يسمى (تبن العقدة)، ويشعل بالنار التي يستخدمون لإشعالها جفت الزيتون، والزبل، والتبن، والحطب، وورق الشجر. ومن الأدوات التي تستخدم في الطابون (المقحار) الذي يستعملونه لإزالة الرماد عن الطابون ولتزويده بمادة الاشتعال التي يجب أن تبقى مشتعلة فترة كافية لتسخين الطابون، وبعد ذلك يرفع الغطاء وتوضع أقراص العجين التي تكون ربة البيت جهزتها، فتضعها على الحصى الساخن في أرضية الطابون، وتغلقه حتى ينضج. وتقول إحدى ربات البيوت في سامتا عن خبز الطابون بأنه نوعان هما الخامر، والعويص، حيث تكون عجينة الخبز الخامر مخمرة بخميرة من عجينة سابقة، أما الخبز العويص فتكون عجينته بدون خميرة ويستعمل هذا للأكلات الشعبية كالفتة مع الشوربة، وحديثا صاروا يستخدمون الطابون لغير الخبز فهم يطبخون فيه أكلات مثل البرغل مع السميده، و"الصواني" بديلا عن استخدام أفران الغاز. بعض أهل سامتا يستخدمونه ذاكرة لهم، ولكن في الفترة الأخيرة رجعوا إليه كحاجة اقتصادية وبديلا لاستخدام الوقود الحديث، خاصة وأنهم يربون الأبقار والأغنام ويزرعون الأرض، وبذلك يتوفر عندهم الحطب والوقود بدون أية تكلفة. أشجار الخضر أربع شجرات، وتحتها أطلال حجارة تشي بوجود قبور أو مقام لرجل صالح، لكن أهل سامتا يقولون أن هنا أشجار الخضر، وهذا مزار له، وكأنه مرّ بسامتا وقبل أن يصل قرية صخرة، استراح هنا فاقترن المكان باسمه، وصار المحتاجون يأتون ملهوفين إلى هذه الشجيرات طلبا للعون والحاجة، بينما يروي أهل سامتا أنه كانت من تتأخر في الزواج ولا يأتيها عريس، تزور شجيرات الخضر، وتمسك بأوراقها وهي تردد: "أجيتك يا خضر زايره، كل البنات تزوجت وانا بعدني بايره".. وتكمل دعاءها وأمنياتها قبل أن تعود إلى القرية من زيارة أشجار الخضر. *** وسامتا رغم صغرها وصمت أهلها إلا أنها تحتوي في داخلها على بوح لو تم التصريح به لكتبت عن كل مغارة فيها حكاية، ولنقش في كل بئر قديم قصة، ولاكتمل البنيان الحديث فيها بنكهة من الماضي المدفون هناك في مغائر القرية.
02 / ألبوم المكان

صور سامتا، عجلون

من عتبات البيوت إلى ظلال الحقول، تبوح القرى بما حفظه أهلها.