بوح القرى · الأردن

الذاكرة الأردنية — بوح القرى

راجب، عجلون

راجب: البلدة المعظمة.. والشلالات المائية

مشهد عام لبيوت راجب وسط التلال والأشجار
01 / 06مشهد عام لراجب. تصوير: مفلح العدوان.

سيرة المكان

راجب: البلدة المعظمة.. والشلالات المائية --------------------------------------------------------------------------------- سلاما على هذا المكان.. سلاما على الشجر، والحجر، والماء، والناس في "راجب" التي تتقمص هيئة المدن الحربية القديمة، حيث هي في تفصيلها تقسم إلى جزئين: مدينة عليا، فيها القصور، والقلاع، والمعابد، والمذابح التي تقدم عليها القرابين للآلهة من فوق أعلى قممها. والقسم الآخر هو المدينة السفلى، التي تعتبر هي حاضنة المياه، والبساتين، والأسواق، وبيوت الرعية. نلك هي راجب القرية التي تقع جنوب غرب مدينة عجلون على مسافة22كم من مركز محافظة عجلون، وتتبع اداريا إلى متصرفية لواء كفرنجة من المحافظة، وهي إحدى قرى بلدية كفرنجة. أعلى منطقة فيها تقع على ارتفاع 750 مترا عن سطح البحر، وهي تتداخل مع عدة مناطق محيطة بها، حيث يمكن تقسيمها بحسب التجمعات السكانية إلى دحوس، ودبة الخرابة، وأم البطم، وثغرة زبيد، وكعب الملول. وتربطها مع المدن والقرى الأخرى أربعة طرق رئيسية نافذة هي طريق راجب - عنجره-عجلون، وطريق راجب-كفرنجه-عجلون، وطريق راجب- الأغوار، وطريق راجب-صفصافه-ساكب-جرش. عماثوس تلك هي "راجب"، القرية التي بقدر ما تحتوي من خير، وماء، بقدر ما في جغرافيتها من تاريخ وقداسة.. وهي رابضة هناك قريبا من الدرب المؤدي إلى الأغوار غرب عجلون، حيث تشي ملامح أهلها بتفاصيل التشرب بروح الأرض، والتمسك بترابها ومائها، وأشجارها. وإذا عدنا بذاكرة القرية إلى عهود تاريخها الأولى فإنها مرتبطة بالوادي الذي اشترك معها في الاسم، رغم وجود تسميات أخرى له يذكرها الدكتور "خليف مصطفى غرايبه" في كتابه "الجغرافية التاريخية للمنطقة الغربية من جبل عجلون"، حيث يذكر أن "وادي راجب(Wadi Rajib) يسمى بأسماء كثيرة هي وادي الخضر، ووادي حمور، ووادي عربون، ووادي راجب، ووادي عمّتا، ولكن أكثر الأسماء شيوعا وأهمها، وادي راجب، نسبة إلى بلدة راجب، أو "راجابا" اليونانية التي تقع في حوضه الأوسط، كما يعرف باسم وادي عَمّتا نسبة إلى مدينة "عَماثوس" التي تقع في المنطقة وتعرف بهذا الإسم، وذلك عندما يصل الوادي أقدام الجبال". أما في اللغة فيمكن إرجاع الاسم إلى الفعل الثلاثي "رَجبَ" بمعنى فَزع أو خاف أو عظُم أو هاب، وعند تفخيم الحرف الثاني من الفعل تصبح"رجّب" أي عظّم أو دعم أو سوّى، فهي إذن من تلك الدلالات تعتبر راجب البلدة المعظمة أو المهابة، والمسواة المنسقة، وعند مطابقة تلك المعاني مع واقع القرية الجغرافي والتاريخي، يمكن الوصول إلى النتيجة بأنها في زمن اليونان كانت مقدسة، مهيبة، ومعظمة ولهذا فهناك كثير من الكنائس والقصور فيها، مثلما هي أيضا وبسبب الأشجار والمياه الوفيرة فيها، جميلة، منسقة، مرتبة أيضا. أقنية المياه تتحدث "موزه فريحات" (الناشطة على مستوى المجتمع المحلي، والعضو المنتخب السابق لبلدية كفرنجة) فتقول أن وادي راجب ذو طبيعة ساحرة، وهو غني بالمياه طوال العام، وهذا الوادي يبدأ من نبع أم جلود، بالقرب من السفوح الشرقية لجبل أم الدرج، وعلى مسافة ثلاثة كيلومترات غرب قرية سوف، ثم يتجه جنوبا ولكنه يكون أكثر ضيقا، مع ثرائه بالأشجار والينابع. أما الرحالة الغربي"د.سيلاه مِرل" فقد زار المنطقة في عامي 1857 و1876، وكتب وصفا لوادي راجب قائلا: "ثم قطعنا وادي عجلون، وبعده وادي راجب، وشاهدنا في كل منهما جدول ماء كبير، و في طرف كل منهما خرائب مهمة". كما أنه ذكر في كتابه سوريا الطبيعية أن وادي راجب هو من أغزر الأودية التي توجد بين نهري اليرموك والزرقاء، حيث ترفده العديد من الأودية السيلية التي تأتي بمياهها من ينابيع عدة. ويضيف أيضا بأن أهم روافد الوادي في منطقة حوض الزرقاء هو وادي السوق أو وادي الشام الذي يأتي من الجهة الشرقية بالقرب من قرية ساكب، ولكن معظم مياه وادي راجب في مجراه الأدنى تأتي من الحوض الشمالي، حيث تتسع الأراضي الزراعية المروية من الروافد التي تنبع بالقرب من المجرى الرئيسي جنوب"البْدَيّة"، لذلك فإنه يعتبر رافد وادي راجب الرئيسي، والدائم الجريان، هو "السَرابيس". كما أنه تتفرع من الوادي ثلاثة عشر قناة تروي آلاف الدونمات الزراعية، ولكل قناة اسم أطلق عليها لارتباطه بمكان، أو شخص، أو قصة لها دلالة في مرحلة من مراحل تاريخ المكان. وتلك الأقنية هي: قناة العَجَمي، وقناة دَحُوس، وقناة المَرْبَه، وقناة الجُرن، وقناة الشَرع، وقناة الخَرابة، وقناة البَليليه، وقناة هَدلان الشمالية، وقناة هَدلان الجنوبية، وقناةالطَبل، وقناة المخْرقه، وقناة عين أم قاسم. الينابيع يردد أهل القرية بتلقائية أسماء العيون والينابيع في راجب، ما إن تفتح بوابة الحديث عن الماء والزراعة وأماكن الخير فيها. وتلك الينابيع هي عين مياه هَدلان، وعين ازعيتر، وعين أم قاسم، وعين المَخْرقة، وعين "عند العبيد". لكن تلك الأسماء حديثة بالنسبة إلى ما تذكره الكتب عن عيون ماء وينابيع وُجدت في القرية في مراحل سابقة، وبأسماء مختلفة يرصدها "عليان عبد الفتاح الجالودي" في كتابه "قضاء عجلون 1864-1918"، وهذه العيون هي عين الماية، وعين الرويحة، وعين هَدلا، وعين الَبيدا، وعين الهيشه، وعين الحنه، وعين الكرسي. الطواحين إن السحر الذي تبثه تلك الخضرة والأشجار في وادي راجب ربما هو الذي جعل "ماك غارفي" عندما زار الوادي في عام 1880 يقول "هل يمكن أن يكون لي بيت وكُلية أدرس فيها في راجب الذي أحب أن أعيش فيه وأن أموت فيه".. تلك الأشجار الباسقة تعطي انطباعا ساحرا كأنها تشكل غطاءا نباتيا أسطوريا للمكان خاصة أشجار السنديان والصفصاف، والدلب القديمة التي يزيد طولها عن 12 مترا، والدفلى إضافة إلى الأشجار المثمرة. كما أنه يكمل تلك اللوحة الطواحين القديمة ذات الطابع الأثري والمنتشرة على جانبي الوادي، ويبلغ عددها خمسة طواحين، إضافة إلى العديد من الآبار الرومانية. غير أن ما يكمل تجليات الماء في الوادي هي تلك الشلالات المائية المتعددة والقوية في غير مكان من الوادي. المعابد العليا تداعيات ماضي القرية تعيد راجب إلى عصور متقدمة من التاريخ.. فهي في إحدى دلالاتها أنها المنطقة المشهورة بالمعابد الوثنية في الحقبة اليونانية، ولذلك فقد أنشأوا فيها معابدهم على رؤوس التلال في المنطقة العليا شمال راجب، وهناك كثير من التلال المتلاصقة وهي رغم ارتفاعها ليست بعيدة عن مواقع المياه.. آنذاك كان الاعتقاد بأنه كلما كانت مواقع العبادة، وأماكن تقديم القرابين في المرتفعات عاليا، تكون أقرب إلى الآلهة، وتكون درجة الاستجابة للأدعية، وتقبل القرابين أكثر، ولذلك فليس غريبا وجود المعابد، والكنائس والقصور هناك. وتشير ذاكرة راجب إلى أنه في القرن الثاني قبل الميلاد بنى ملك اليونان قصرا ضخما وفخما على هذه المرتفعات، ومزين بالفسيفساء والزخارف. كنيسة دير مسمار "لقد اكتشف الملك هذه الكنيسة".. تلك أولى كلمات أهل قرية راجب، عند الحديث عن كنيسة دير مسمار التي اكتشفها الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، في عام 1997، خلال إحدى زياراته للمعسكر التدريبي عندما كان أميرا، وقائدا للقوات الخاصة، حيث زار القرية والمرتفعات المحيطة بها والتي اكتشف على إحداها "كنيسة دير مسمار"، وقد أوعز آنذاك بترميمها والاهتمام بهذا الاكتشاف. وتشير الدراسات الآثارية إلى أن هذه الكنيسة بنيت في القرن السادس الميلادي وتعود إلى العصر البيزنطي، وقد وجد فيها كتابة بالخط السرياني، وتضم داخلها لوحة فسيفسائية، وزخرفات تمثل صورا متعددة مثل الطاووس، وقطوف العنب، وسمكتين، وسنابل القمح، ولكل رمز من هذه الرموز إشارة ودلالة أسطورية قديمة ترتبط بالميثولوجيا البيزنطية. وقد تم اكتشاف كنائس أخرى مشابهة في المنطقة، إضافة إلى حوالي 25 موقع فسيفساء توجد في منطقة "المربّة" من أراضي راجب. كما أن الذاكرة التاريخية للقرية تشير إلى أنه في القرن الثاني قبل الميلاد بنى ملك اليونان بطليموس قصرا مزينا بالفسيفساء، وتزيد مساحته عن أربعة دونمات في راجب، وقد كان الملك يتنقل في إقامته هنا بين هذا القصر ومنطقة الأغوار. المسجد الكبير.. ومقام الحاجة أميرة يقرأون الفاتحة، ويدعون،عندما يمرون بقرب المقام.. كما أن أهل القرية يتحدثون بمهابة، واحترام عن "الحاجة أميرة"، صاحبة المقام الموجود جنوب قرية راجب، حيث يوجد هناك آثار مسجد قديم محاط به أشجار السنديان، وفي منطقته حجارة متناثرة، وأنصبة قبور، وكهف صغير، ولعل وجود تلك الآثار، يشير إلى سكن أهل القرية قديما في الجهة الجنوبية منها، ومع توالي الأزمنة، صار موقع الآثار هذا وسط القبور، موقعا مقدسا، ومقاما مباركا، يذكره أهل القرية بكل خشوع وإجلال. *** وسط القرية يوجد دائما مسجدها الذي يوسم بأنه المسجد الكبير.. وهذا الحال ينطبق أيضا على مسجد "راجب"، وهو أقدم ا لمساجد فيها، ويعتبر من المساجد التاريخية، حيث يمثل طابع البناء المملوكي، ويضم داخله عناصر معمارية تراثية ورسومات خزفية. وإضافة إلى مسجد راجب الكبير، يوجد في القرية عدة مساجد أخرى هي مسجد دحوس، ومسجد ثغرة زبيد، ومسجد ام البطم، ومسجد كعب الملول، ومصلى دبة ام البطم. الثلث من المحصول الزراعة هي حياة أهل قرية راجب.. يقول هذا الحاج"عبد المجيد محمد فريحات(أبو محمد)" الذي يسرد معاناته قبل أن يستقر في أرضه، موضحا أنهم كانوا قديما يزرعون الأرض امْغَارَثَهْ ( أي شراكة)، مع مالكها، حيث كان يأخذ الثلث من المحصول، و" يزرعها زيتون ودوالي وليمون"، وكان يحضر الماء من النبع، وكان يشتغل عند "إسماعيل العارف"، إلى أن استطاع أن يتملك خمسين دونما منها. *** تبارك المكان هناك بكل ما فيه من بشر وشجر وحجر، فقرية راجب زينة الأمكنة، والحافظة لتاريخ معتق يسكن فيها، ويواطنها حاضر مهيب حافل بالعطاء والحياة.. فالتحيات الطيبات لقرية راجب، ولكل ما تحمل في إهابها من سحر وجمال وماء وحكايات وتاريخ..سلام على راجب المهيبة العالية، وعلى أهلها الطيبين الكرام. ***
02 / ألبوم المكان

صور راجب، عجلون

من عتبات البيوت إلى ظلال الحقول، تبوح القرى بما حفظه أهلها.