حُسبان.. أسرار المُصَلّى
------------------------------------------------------- حد السيل، أو فوق التل..
هناك تتراكم الحكايات، وتتزاحم دلالات التاريخ في "حُسبان"..
وهناك، أيضا، القرية الحاملة ميراث الاسم، التي تتباهى بأنها تحفظ في طياتها سجلا جغرافيا، وذاكرة أسطورية تشي بتداعيات الحضارات التي تركت آثار، ومعالم في هذا المكان الواقع جنوب غرب عمان، على الدرب المؤدي إلى مأدبا.
تلك القرية تحمل في إهابها دلالة، ومعنى يمكن استنباطه من التداعيات اللغوية لاسمها المشتق من الفعل الثلاثي "حَسَب"، "حُسبانا"، والمعدود محسوب، أي على قدر وعدد.
والحُسبان بالضم جمع الحساب، وتأتي معانيه أيضا للدلالة على العذاب، والسهام الصغار، والجراد، والبلاء، والشر، والعجاج، والنار، والمرامي.
وتفيد ذاكرة المكان بأنه قد تعددت التسميات لهذه المنطقة، إذ إنها اشتهرت في المصادر القديمة باسم "حشبون"، وهي كلمة سامية قديمة وتعني التدبير، وحيث أن بعض الأسماء السامية المنتهية بواو ونون تُقلب في العربية إلى ألف ونون، صارت "حُشبان"، ثم جرى نحتها لتصبح حُسبان.
أما في الفترة الرومانية المبكرة فقد أطلق على القرية اسم "أيسبوس"، لكن السيرة الشعبية تختصر المكان جميعه بموقع التل، ويطلقون عليه حتى الآن تسمية "المُصلى"، ولعل مصدر ذلك يعود إلى الكنائس الظاهرة فيه، وأنها موقع مقدس قديم، تُقدم فيه الصلوات وطقوس العبادة على مرّ العصور. *** حديث الكتب
دائما هناك مصداقية أكثر للمُدون، المحفوظ في بطون الكتب..
ولعل "حُسبان" من القرى المحظوظة، بكثرة ما كُتب عنها لدى الرحالة، والجغرافيين، وفي الكتب المقدسة، ومراسلات القادة، ورجال الدين، إذ إنها ذكرت في الكتاب المقدس باسم "حشبون" ثمانية وثلاثين مرة.
أما الرحالة والجغرافيين فقد دَوَّنوا ملاحظات حول حسبان، ورسموا صورة واضحة عن القرية في عصور عديدة عبر الأزمنة المتعاقبة عليها، حيث ذكرها "أبو الفداء" في كتابه "تقويم البلدان"، قائلاً: "إن قاعدة البلقاء حُسْبَان، بضم الحاء وسكون السين المهملتين وفتح الباء الموحدة، ثم ألف ونون في الآخر، وهي بلدة صغيرة، ولحسبان واد وبه أشجار وأرحية (طواحين القمح)، وبساتين وزروع، ويتصل هذا الوادي بغور زغر".
كما أن القلقشندي في "صبح الأعشى في صناعة الإنشا"، أشار إلى ذات معلومات أبي الفداء، غير أن الظاهري في كتابه "زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك" أضاف: "وأما مدينة حسبان فلها قلعة خربة وإقليمها البلقاء، تشتمل على نيف وثلاثمائة قرية بأرض مستوية، وهي أيضا من معاملة دمشق".
وعندما ينجز الحاج "يوشارد" رحلته، في فترة حكم المماليك حوالي عام 1232م، يضمنها كتابا يأخذ اسم "وصف الأرض المقدسة"، ويذكر فيه بأن حسبان "من فلسطين القديمة، وتُعرف أطلالها اليوم باسم تل حسبان، وتقع على بعد 26 كم جنوب غرب عمان، وكانت بالأصل ملك للمؤابيين، إلا أن سيمون ملك العموريين، استولى عليها مع جميع أرض المؤابيين، واتخذ حشبون عاصمة لها".
وفي الجزء الثاني من "رحلات بيركهارت"، هناك إشارة إلى أنه "على مسافة ست ساعات وربع الساعة، تقوم حسبان على تل، وتقع في اتجاه جنوبي غربي من عمان، وتوجد بقايا خرائب بلدة قديمة كبيرة مع بقايا بعض المباني الضخمة، ولا يزال ينتصب عدد قليل من اسطوانات الأعمدة المحطمة، ويوجد بعض الآبار العميقة، وصهريج كبير لتزويد الأهالي بالمياه".
ويكتب "لي سترانج" في كتاب "فلسطين في العهد الإسلامي"، بأن حسبان "عاصمة منطقة البلقاء، وهي بلدة صغيرة يقع بقربها واد مملوء بالأشجار والطواحين والبساتين والحقول، يقع هذا بجوار غور زغر على البحر الميت".
لكن مصطفى الدباغ في "بلادنا فلسطين"، يُفَصِّل كثيرا مما كُتب عن حسبان، ذاكراً أنها "يلفظونها بكسر الحاء، قرية تقع في نحو منتصف المسافة بين ناعور ومأدبا، تقوم قرية حسبان على البقعة التي كانت تقوم عليها"حشبون" مدينة سيحون ملك الآموريين، وحشبون كلمة مؤابية، وفي العهد الروماني ذُكرت باسم "اسبوس" إحدى المدن التي كانت تضرب فيها النقود في شرقي الأردن.
وعلى الهضبة التي تعلو حسبان تشاهد كوم من الخرائب، من بينها القناطر الرومانية والعواميد اليونانية والقناطر العربية، وكلها مختلطة مع بعضها البعض. وفي عام 1968م، اكتشفت كنيسة بيزنطية غطيت أرضها بالفسيفساء، كما اكتشفت أيضا بيوت وآثار يرجع تاريخها إلى العصر الأموي". *** سيحون.. ملك حشبون
عميقاً.. في اصفرار ورق العهد القديم..
عميقاً.. هناك للقرية تاريخ مُدوّن في الكتاب المقدس، الذي يشير إلى أن موسى عندما قدم من بريّة سيناء، ومعه شعبه، في حوالي سنة 1250 قبل الميلاد، وقف على حدود مملكة أدوم، وأرسل إلى ملكها يطلب منه أن يدعه يتابع السير في "طريق الملوك" الذي يمر في أرضه، لكي يصل منها إلى أراضي "سيحون الأموري" ملك "حشبون"، الذي كان قد استولى على هضبة موآب ومدنها، ووسع مملكته حتى منحدرات نهر أرنون (الموجب).
كان جواب ملك أدوم هو الرفض.
وخرج بجيشه لملاقاته، فتحول موسى وشعبه إلى الصحراء الشرقية، لكي يدخل منها إلى أراضي مملكة سيحون، وعندما وصل إلى الحدود أرسل إليه بكلام السلم: "دعني أعبر من أرضك، وأنا أسير توا في طريقي، لا أميل يمنة ولا يسرة، بفضة تبيعني طعاما فآكل، وبفضة تعطيني ماء فأشرب، وأعبر ماشياً فقط..".
لم يثق "سيحون" بكلام موسى، ولم يدعه يمر بأرضه، وخرج لملاقاته، ووقعت الحرب، إلا أن قوة أعدائه كانت أكثر منه، فخسر هذه الجولة، غير أن حسبان تعرضت أيضا لتقلبات سياسية كبرى بعد ذلك، فقد اجتاحتها جيوش "سرجون الثاني" ملك الآشوريين، كما استولت عليها الجيوش البابلية بقيادة "نبوخذ نصر"، وتعرضت للدمار والمذابح والتشريد. *** الأنباط يحكمون
كان أهل حسبان ينتظرون المُخلّص..
وكانوا ينظرون جنوباً، مترقبين المنقذ من هناك، بعد أن بزغت شمس القوة العربية ممثلة بالأنباط، الذي تروي كتب التاريخ بأنهم كانوا قوة فرضوا سيطرتهم على المنطقة، وبسطوا نفوذهم شمالاً، حتى صارت المنطقة الممتدة من البترا إلى دمشق تحت سلطانهم، وقد شهدت حسبان أهمية دفاعية كبيرة أثناء احتلالها في فترة "هيرود"، وكانت تسمى "المدينة الحصينة"، واتخذها آنذاك "هيرود" مقرا لصد القوات النبطية، لكن حسبان انتقلت إلى أيدي الأنباط بعد وفاة "هيرود"، أثناء حكم ابنه "هيرود انتيباس"، وبقيت تحت السيطرة النبطية حتى عام 106م. *** طريق النصر
كان الوقت شتاء..
وحسبان تنتظر زائرها المبجل، الإمبراطور الروماني "أدريانوس"، في عام 129 للميلاد، حيث كانت المناسبة هي تدشين "طريق النصر"، من أيلة على البحر الأحمر، إلى بصرى، مروراً بالموجب، وذيبان، ومأدبا، وحسبان، وعمان، وخربة السمراء، وجرش.
كان الطريق الروماني هذا يربط حسبان بمأدبا وعمان، وبالتالي بشمال البلاد وجنوبها، وكان ينحدر باتجاه الغرب إلى تل الرامة، ومنه إلى أريحا فالقدس. *** المحامي فيلادلفوس
أنت يا من تصعد تل حسبان، أنصت إلى قرقعة السيوف، واهتزاز الحجارة، وصوت المعاول، فكلها تحمل دلالة الحرب، والعمران، والدين هناك..
الذي يقف أعلى المرتفع يرى معالم الحضارة، مترافق مع حجم كبير من الدمار الذي لحق بالمكان لأسباب كثيرة؛ منها الحروب، مثلما حصل في عام 612م، عندما اجتاحت الجيوش الفارسية كل أرجاء المنطقة، ومن ضمنها حسبان، كما أنه ضربها زلزال عنيف وقع في 18 كانون الثاني سنة 746م، ودمر كثيراً من المباني والكنائس والبيوت في حسبان.
وقد أسهم في غياب كثير من تلك المظاهر، واندثار بعضها، جانب بشري يتلخص في أن السكان في القرية والمناطق المجاورة كانوا خلال الفترات الماضية يستعملون كثيرا من الحجارة الأثرية في بناء منازلهم، وبعض آخر منهم كان يحفر ويخرب بحثا عن الكنوز والدفائن.
لكن رغم كل تلك الأسباب، مازال التنقيب والبحث يكشف كثيراً من تلك الآثار في حسبان، كالقبور التي تعود إلى العهد الروماني والبيزنطي، وهناك آثار ثلاث كنائس، أشهرها الكنيسة التي في أعلى التل، ويرجح أنها بنيت على آثار معبد وثني، وهي مكونة من صحن رئيس، يحيط بها صف من الأعمدة من الشمال، وصف آخر من الجنوب، وقد زُينت أرضيتها بأشكال هندسية وأشجار وحيوانات تعود كلها إلى العهد البيزنطي.
كما أنه يوجد هناك آثار الكنيسة الواقعة على سفح التل من الجهة الشرقية، وهناك آثار الكنيسة الواقعة في الجهة الشمالية من التل، حيث تُبين كتاباتها التي عثر عليها أن الكنيسة أقيمت لذكرى أحد كهنة المدينة، وأن المحامي "فيلادلفوس" وابنه "ايليا" قد تبرعا ببنائها، وأن "الشَمّاس يوحنا" ومحسنين آخرين قد قاموا فيما بعد بترميمها، وقد عُثر تحت الهيكل على علبة فضية بيضاوية الشكل، تحتوي على ذخائر أحد الشهداء القديسين، أما أرضية الكنيسة فهي مفروشة بالفسيفساء، ويرجع تاريخها إلى القرن السادس الميلادي. *** سليمانيوس الحسباني
وكانت دار فن وعلم..
تلك هي حسبان التي تذكر الكتب أن أبنائها في العصور القديمة، كانوا مبدعين في فن الفسيفساء، ذلك أن النقوش الواضحة في كل من أم الرصاص ومأدبا، تشير إلى أسماء حرفيين فنانين من حسبان، أبدعوا في الزخرفة والفسيفساء، حيث أسهمت اسماء من حسبان مثل "استواركوس الحسباني ابن زاده" و"اوريميوس" في زركشة وتزيين كنائس أم الرصاص، خاصة كنيسة القديس اسطفانوس في سنة 756م، أما الفنان الأكثر شهرة في المنطقة فهو "سليمانيوس الحسباني"، الذي أبدع الخارطة الفسيفسائية في مأدبا. *** الفديني في حسبان
يصل الفديني إلى حسبان، هارباً من الخليفة العباسي المأمون..
بهذه الجملة تنتهي سيرة الثائر الأموي سعيد بن خالد، الملقب بـ “الفديني"، والذي يمتد نسبه إلى عثمان بن عفان.
وكأن قدر تل حسبان أن يبقى حاملا في داخله الأسرار، والقصص القديمة، إذ إن هذا الثائر كان يقيم في الفدين (المفرق)، وقد نُسب إليها، وادّعى الخلافة لنفسه، وأغار على المناطق المجاورة، فَوَجّه إليه الخليفة المأمون جيشاً بقيادة يحيى بن صالح، ولاحقه، فهرب الفديني إلى زيزياء، ثم توجه إلى ماسوح، وغادرها إلى حسبان، وفيها حصن حصين، فأقام به، ومن ثم تفرق عنه أصحابه، ولم يُعرف مصيره بعد ذلك. *** قوات صلاح الدين
للقرية ذاكرة متجددة..
ولها حضور راسخ في كل مراحل تاريخها.
فحسبان في الفترة الأيوبية، كانت قاعدة لمهاجمة الصليبيين، وقد استخدمها صلاح الدين الأيوبي عندما حاصر الكرك عام 1184م، وتمركز فيها مع قواته عندما انسحب من هناك، قبل أن يرحل بقواته من حسبان.
كما أنه على أرض حسبان دارت المعركة سنة 1240م، بين الملك الصالح إسماعيل، صاحب دمشق، وبين الناصر داود، في محاولة من الناصر داود لمنع قوات الملك الصالح من التوجه إلى مصر، وقد انتهت المعركة بانتصار الناصر إسماعيل. *** مركز ولاية البلقاء
تفتح حسبان مخطوط حضور المماليك فيها..
تقرأ عن بصماتها في ذلك العهد، وكيف كان لها حضور في الصراع بين الأمراء في الفترة المملوكية.
تذكر كتب التاريخ أن الناصر محمد بن قلاوون، وبمساعدة أهالي حسبان والمناطق المجاورة لها، تمكن من دخول دمشق سنة 1310م، وحظيت حسبان بزيارة الناصر محمد لها في سنة 1317م، وهو قادم من مصر، وكان معه خمسون أميراً، وعلى ضوء هذه الحظوة اتخذها الناصر مركزا لولاية البلقاء، وأخذ منها ينظر في أحوال البلقاء وشؤون عربانها.
كما أن حسبان لعبت دورا في إعادة الظاهر برقوق للسلطة، حين خرج بصحبة خمسمائة شخص من مماليكه، ونحو ألف نفر من أهل الكرك، وعدد من العرب، وعندما وصل حسبان استقبله أهلها وأظهروا له طاعتهم، وساندوه بالقوة البشرية والمواد التموينية.
وعندما كان السلطان برقوق في حسبان، خرج إليه "حسين بن باكيش" نائب غزة، على رأس جيش، ودار القتال بينهما على أرض حسبان التي شهدت انكسار ابن باكيش وجيشه. *** المدرسة المملوكية
هذا الحضور المملوكي في حسبان، انعكس على المكان والناس، فما زالت هناك بقايا آثار مملوكية تشهد على تلك الفترة؛ كقصر الحاكم المملوكي، ومجمع الحمام المملوكي، وبقايا مسجد مملوكي، لكن الأثر الأوضح والمذكور في كثير من المراجع هي "مدرسة حسبان المملوكية"، التي توجد بعض آثارها قائمة حتى الآن، كما تذكر الكتب القديمة أنه قد عمل أستاذا في هذه المدرسة الشيخ محمد بن عبد الله الصلتي، ودرس فيها ابنه شمس الدين، وقد تولى هذا التدريس فيها أيضا بعد والده، ودرس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بين يوسف الدمشقي، وشمس الدين الحسباني. *** علماء القرية
الحُسباني..
اسم عائلة صار يطلق في تلك الحقبة على مشاهير القرية في شتى العلوم، وقد عُرف هؤلاء خارج ديارهم، فصاروا ينتسبون إلى حسبان، وتذكر الكتب القديمة منهم عبد الرحمن بن سعادة الحسباني، وإسماعيل بن خليفة الحسباني، وحجي بن موسى الحسباني، وخليل بن محمد الحسباني، وأحمد بن إسماعيل الحسباني، وأحمد بن هلال الحسباني، وقاسم بن سعد الحسباني. *** قصة الشريقيين
هذا النبض الذي يتجسد حياة في حسبان، تُعبر عنه قصص من عايشوا المكان وواطنوه، فصاروا ينتسبون إليه، وصار هو يبوح بتفاصيل تداعيات حضورهم إلى القرية هنا، وتآلفهم معها، لكي يصبحوا بعضاً من تاريخها..
أغلب الموجودين في حسبان هم من عشيرة "العجارمة"، المتواجدين فيها منذ أكثر من ثلاثمائة عام، بحسب ما يقول كبار القرية، أما الفرع من العجارمة والمعروف بحضوره في حسبان فهو "الشريقيين"، والذي يسرد بعضاً من بداية حضورهم إلى هذه الأرض الشيخ "ضامن عبد العزيز البراري (أبو هايل)"، وهو قاضي عشائري أيضاً، عن البدايات الأولى يقول: "إتْسَمّوا الشريقيين لأن أبوهم أجا من شرق، وأصلهم من عشيرة السرحان".
أما تفاصيل هذا النسب، والقدوم إلى حسبان، فيمكن إيراده بأنه "بعد ما صارت كاينه (معركة) بين السرحان شرق الأزرق، وانذبح الشيخ، وانهزمت مرته وهي حامل، (هناك رواية أخرى يسردها كبار عشيرة الجهران بأنهن كن امرأتين اثنتين، وكلاهما من نساء الشيخ ابن غزي من قبيلة السرحان، وكن حوامل في تلك الفترة)، وظلّن يمشين بطريقهن حتى وصلن أم العمد (البعض يقول أنها السامك)، وبهذي اللحظة وانو جاي اثنين، واحد عجرمي، وكانوا ينادوه "ابن عرمان"، والثاني عدواني وهو "أبو جويعد"، وكان الاثنين نازلين غرب سيل حسبان، ورايحين على رجم سامك يتصيدوا، لأنهم كانوا يسروا بالليل حتى الصبح، عشان يتصيدوا، وهم ماشيين، وِن(وإذ بـِ) هالنسوان بطريقهم، وصار كل واحد يقول (هظول إلي)، ولما قرّبن، قالن الهم، إحنا من الأرض الفلانيه، وخذوهن معهم، ولما وصلوا قريب من بيوتهم، وكانوا ساكنين بجنب بعض، اتفقوا إنهم يقولولهن يروحن البيوت لحالهن، والبيت اللي يخشن عليه(يدخلن إليه)، يكونن هن لصاحب هذا البيت.
لكن لما مشين الاثنتين، وقبل ما يصلن، قعدت واحده منهن، وطلبت من الثانية إنها تدخل وتستأذن من أهل البيت، وكان هذا بيت العدواني اللي دخلت عليه، فأطعموها وشرّبوها، وتأخرت هناك.. بعد شويّه طلعت مَرت(زوجة) العجرمي، وسألت المره اللي قاعدة قريب من بيتها عن حالها، ودخّلتها.
وظلت واحده عند العدواني، والثانية عند العجرمي، ولما خلّفن(ولدن)، جابت كل واحده ولد، وسموا ابن اللي عند العدواني "الأجهر"، وهذا صارت تنتسب له عشيرة الجهران، ونخوتهم أهل المليحة، ويسكنوا منطقة ماسوح وشفا بدران، أما اللي عند العجرمي فسموا ابنها "اشريق" لأن أمه أجت من الشرق، وله ينتسب عشيرة الشريقيين ويسكنوا حسبان".
ويضيف الشيخ"ضامن البراري" بعد هذه المقدمة عن قصة البدايات الأولى "وتواجدنا بعد هيك بالمنطقة، بحسبان، وهذا "اشريق" جاب 3 عيال هم "بَرّي" جد عيلة "البراري"، و"عواد" اللي منه "العواوده"، و"نصّار" اللي يرجع اليه "المشاعله"، كمان يرجع للشريقيين عيلة "الشيحان"، اللي إجو من "شيحان"، وهم أقرب إلى البراري، وعيلة "عمار" اللي إجو من "عنجره"، وهم أقرب إلى "العواوده"". *** مسيرة السيل
أما السيل الذي لا يبعد كثيرا عن التل، فله ذاكرة وتاريخ مرتبط بالناس المقيمين هنا..
الماء.. كان منذ القدم مرجع الناس، وسبب تواجدهم وتجمعهم في منطقة واحدة، وهذا حال حسبان، وعلاقتها بسيل حسبان، الذي يتتبع تفاصيله الحاج "سليمان عبد الرحمن مسعف المساعفة"، حيث يقول أن "بداية السيل هي من "عين الفارعة" بأعلى المنطقة"، بين حد العدوان من العجارمة، واللي يفصلها "الوِد"، اللي هو من "اوتاد علي باشا"، وهو مدقوق فوق العين، هذا بالنسبة لسيل حسبان، ومن "الفارعة" تتفرع عيون ثانيه غير "الفارعة"، ويتقسمن بين قني الميه، للأرض اللي صارت سقي، وأول قناة هي "قناة اليعقوب"، والقناة المقابل لها هي "قناة شبيب شلاش العدوان"، والقناة الثالثة هي "قناة البريصه" اللي تخص "العلالقه" و"احمد العقاب الحمود" و"أهل سلطان العلي العدوان"، ومقابلها القناة الرابعة، "قناة العناني"، وهي أضخم القني وعليها أرض أكثر".
وبالنسبة للعيون يضيف "الحاج المساعفه" أن هناك غير "عين الفارعه" عيون أصغر وأقل، ويذكر منها "عين الفظيلي"، و"عين نوره"، و"عين فلاح"، وهذه تخص "فلاح الفليّح العجارمه"، و"عين سوميا"، و"عين الروضه"، و"عين كديش" التي سميت بعد ذلك من قبل أهل المنطقة بـ"عين البنات"، مع أنها مثبته في الوثائق الرسمية بالاسم الأول، وتبقى هذه العيون ترفد الوادي إلى أن يصل الكفرين، حيث مصب السيل. *** هدية ابن ربيع
الشيخ "ضامن البراري" يضيف إلى ذاكرة سيل حسبان تفاصيل أخرى، عندما يسرد كيف تقسمت مياه السيل في مرحلة سابقة، فهو يقول: "إحنا بلقا (من البلقاء)، وكان في الزمن الماضي في حروب بين القبايل، وكنا متحالفين مع ابن عدوان، والقصة اللي ودي احكيها صارت على دور "علي الذياب العدوان"، والحروب كانت في حسبان عشان الميه والزرع، وسيل حسبان كان للعجارمة، ولما اتجوز "علي الذياب"، إجو عنده كل شيوخ المنطقة، وجابوا له هدايا، إلا العجارمه ما جابوا هدية، وكان ابن ربيع متوجه إلى "علي الذياب"، فسألوه اللي لاقوه من الضيوف مثله: "ليش ما جبت اشي معك هدية"، فقال الهم "ودنا نعطي سيل ما ينتهي هدية لابن عدوان".. وبالفعل أهداه سيل حسبان، وبنى عليه شونة ابن عدوان، اللي فيها قصر علي الذياب، اللي موجود حتى الآن على سيل حسبان".
ويضيف "الحاج سليمان المساعفه" أن هذا القصر" بهالقوت هو لسلطان عبد المجيد العدوان.. بس في السبعه واربعين(1947م) لما صار الإفراز، صار من قِسمة العدوان اللي من الصالح، بعدين أجا عبد المجيد العدوان وصارت ملكية القصر له". *** بيت سليمان النابلسي
على أحد أطراف القرية، هناك بيت قديم حوله أشجار زيتون كثيفة..
يذكر أهل حسبان أن في هذا البيت كانت تعقد اجتماعات الرئيس الذي كان يقطنه في فترة سابقة.
هناك بيت "سليمان النابلسي"، رئيس الوزراء الأسبق، وكانت في هذا المكان تجري كثير من الاجتماعات الرسمية والحزبية أيضا، ومن السؤال عن هذا البيت كانت بوابة الدخول إلى تداعيات حضور عائلة النابلسي إلى حسبان، والتي يُفصّلها الشيخ "أبو هايل" بقوله: "جد نوابلسية حسبان هو الحاج محمد النابلسي، قدم إلى القرية منذ أكثر من 200 سنة، وصار له ملك في حسبان، وخَلّف "الحاج فارس" اللي جاب سليمان النابلسي، وهذي الأرض اللي اشتروها النوابلسيه كانت مشتركة بين العدوان والعجارمة، إلا أن العدوان باعوا حصتهم لـ"الحاج محمد النابلسي"، وكمان باع العجارمه جزء من أرضهم إليه".
ويفصل "الشيخ البراري" أكثر عن عائلة النابلسي في حسبان قائلا: "جدهم محمد النابلسي جاب فارس، وفوز (وهذا ابنه علمي اللي كان نائب في أول برلمان أردني، في عهد الملك عبد الله المؤسس، وما زال له أرض في حسبان)، وماجد، وشاكر، وسعود اللي كان على دور الملك عبد الله الأول في المجلس التشريعي، وبعدين صارت بقية العيلة من هذول الإخوان، واللي منهم كان سليمان بن فارس رئيس الوزراء اللي له دار وملك هان، وكان يصير ببيته اجتماعات وعزايم، وكان يحضر عنده شخصيات البلد مثل عبد الحليم النمر، وعاكف الفايز، وشفيق ارشيدات، والشنقيطي.. وغيرهم". *** نمر.. وعرار
تملك حسبان سحراً يؤثر على كل من يمرّ بها، ولهذا فهي تترك انطباعاً طَيباً لدى كل زائر إليها..
أما التأثير الأكبر والأعمق، فيكون على الشعراء والفنانين، عندما يستلبهم جمالها، ودلالاتها، ومعانيها.
وهي أكثر ما وردت في إبداعات شعر مصطفى وهبي التل "عرار"، الذي خَلَّدها من خلال تضمينه لحسبان في غير قصيدة من شعره، متغزلاً بها وبماء حسبان الذي ورد قوله فيه: "مالي وزمزم ماء غير سائغة
فاسقني جرعة من ماء حسبان".
وفي قصيدة أخرى يقول: "وماء حسبان إن تصفو وإن كدرت
تظل أعذب ماء ذقته بفمي". ويقول كذلك: "يا هند من حسبان قد بارق
رف رفيفا واضحا مسهبا.
فاستذرف العينين إيماضه
من أدمعي ما عز أن ينسكبا.
وداعب القلب رسيس به
من قصة الحب بقايا نبا.
فَهشّ للماضي، وقد طالما
بذلك الماضي لقد شَبّبا". وفي موقع آخر يذكر حسبان أيضا: "يا هند برق لاح لي موهنا
تنورته العين مستهضبا.
ناض بحسبان فهشّت له
"حسما"، و"وادي يتمها" رَحّبا.
فَرَفّ بالقلب رسيس الهوى
ووَد صدع الشمل لو يرأبا". ويضيف شعراً، كأنه العاشق الذي لا يمل محبوبته: "يا أهل يافا لقد بالأمس أرّقني
برق تألق في أجواء حسبان.
وحين رف لقد والله ذكرني
بأنني ذات يوم كنت عماني.
فاستيقظت عبرتي بعد هجعتها
وعادني ذكرهم بعد نسيان". كما أنه يعود إليها تارة أخرى في قوله: "أما الهوى والجَوى، يا مي إن ذهبت
أيامه فدعي الأيام تنعاني
وليبكِ وادي الشتا بعدي جآذره
وليبكِ حسبون بعد ماء حسبان". كما أن من الشعراء الذين قدّسوا حسبان، فظهرت في قصائدهم التي تعكس روح الحنين والشوق، الشاعر نمر العدوان، حيث ترد في قصيدته التي يحن فيها إلى الأردن، وهو في بيسان: "أشرفت يم ديارنا بانْ ما بَانْ
وكن بان عالبلقا عَجَاجْ وْغتَاميْ.
يا ديرتي يلِّلي بك الدليلةْ وحُسْبانْ
ذيك الصيَاغَةْ كان صَدْقَت عَلامِيْ.
ويا ديرتي ما بَدّلُهْ بكلِ بلدانْ
بِيْهَاْ جواد الله وبيها اكْرَام.
ويا ديرتي ما بدله بكل الأوطان
بِيْهَاْ رجالٍ مروين الحْسَامِ". وفي إحدى روائعه في رثاء زوجته وضحا، يذكر نمر العدوان حسبان في تشبيه رائع، يقول فيه: "لمَّا سلّوني، سَل مَسلول ظابانْ
سِرْ ساقْ ساحْ سَحَّ السَّرَابِ.
إدموع عيني هالهْ سيلْ حسبانْ
هَتْفَ المزن لن لاح برقِ بعذابي.
مالي مِعينْ كود الالسانْ
لقِلتْ هيّا الما بالسِّيِل جابيْ". *** حكاية جميل التركي
يتذكر كبار القرية أنه كان على السيل هناك أكثر من ستة عشر طاحونة للحبوب، وكن طواحين رومانية قديمة، لم يتبقى منها الآن سوى أطلالها المهدمة، ومن هذه الطواحين، "طاحونة اليعقوب" التي تديرها "عين الفارعة"، وهناك أيضا "طاحونة سلطان"، و"طاحونة شبيب الشلاش"، و"طاحونة سوميا".
ويضيف "الحاج سليمان المساعفة" إلى ذاكرة الطواحين، أن هناك "تركي" كان يقيم في إحدى هذه الطواحين، ويعرفه كل كبار القرية، وهو "جميل جمال التركي"، وكان من أهل الله، ويسكن في "طاحونة اليعقوب"، ويخدم فيها قبل ما يستلمها "عبد الوالي فاضل المساعفه".
هذا التركي توفي قبل سبع سنوات، وكان عمره أكثر من مئة وعشر سنوات، ويتحدث عن ذاكرته في القرية "الحاج سليمان" قائلا: "كان صديقي، وهو كمان صديق الجميع، وكان "جميل التركي" يحكي عربي كويس، بَس (لكن) بلكنه تركيه، وكان قبل هيك معروف بالقرية انو كانت مهنته يقطع (يحفر) بيار ومغر، وكان رجل عنده تقوى، وأنا كنت شاهد على واحده من هذي العلامات على بركاته، كان هذا قبل حرب الستة (حرب حزيران)، يومها قالي بدو تصير حرب، وتنكسر العرب، و"العدوان" رح يفظّوا من الغور، ويحرقوا حطبكم، ويسكنوا بقيعان الشجر، فانت لا تحرص انك تزرع هذي السنه، بعدين قاللي يللا نسهل الطريق هناك، وأشار لي للمكان اللي ودو يسهلوا، فلما قلتلو ليش، قال لأن تروللي (سيارة) رح تقلب هان، وإذا سهلنا الطريق ما رح يتظرروا، وأنا والله وقتها قلت هاظا الرجل انهبل، بس هو أصر وقاللي انت كويس، ولازم تساعدني، وحملني "كريك"، وبدينا نسهّل الطريق.. وبعد أيام صارت الحرب، ونفس اللي قاله صار، وينزلوا "العدوان" هان، ويخربوا الشجر، وانقلبت سيارة "سعد محمد الماضي" من "الرامة"، فرحت عليه وقلتلوا "إيش هاظ" يا جميل، قال "استغفر الله، أنا والله ما اعلم بالغيب"، واجتوا غيبوبة بلحظتها.
ويضيف "الحاج الملاحمة" أن "جميل التركي" كان يعرف مواقع الذهب في حسبان، لكنه لم يكن يخبر عنها، لأنه يقول "هاظا مال تركي"، "وأمضّى الحياة طفران، وعايش على عطايا الناس، وتوفى في مستشفى البشير، وجبتلو ناس يتبرعوا له دم.. لكنه توفى الله يرحمه". *** المجلس القروي
في ذاكرة أهل حسبان تفاصيل عن زمان أول، عندما كانوا يَرِدون إلى سيل حسبان ليجلبوا الماء إلى القرية، إذ أن "بيار الجَمع"، كما يقول "الشيخ ضامن البراري"، كانت "تخلص الميه فيها في شهر سبعه أو ثمانية، وكنا نِرِد على الدواب، ونُوَرّد معنا الغنم والبقر، وظل هذا الحال حتى الخمسة وستين (1965م)، لما وصلتلنا الحكومة الميه بعهد الملك حسين، بس قبل ما تصل الميه كان في مدرسة بالقرية، وكان تبرع بيها "الحاج ماجد النابلسي"، وكان فيها للصف السادس قبل ما تتوسع.. وبعد ما وصلت الميّه، وصارت المدرسة، تأسس أول مجلس قروي لحسبان بالثمانية وستين (1968م)، وكان أول رئيس لهذا المجلس هو "محمد عبد الهادي البراري". ***
بوح القرى · الأردن
الذاكرة الأردنية — بوح القرى
حُسبان، البلقاء
حُسبان.. أسرار المُصَلّى

سيرة المكان
02 / ألبوم المكان
صور حُسبان، البلقاء
من عتبات البيوت إلى ظلال الحقول، تبوح القرى بما حفظه أهلها.

