بوح القرى · الأردن

الذاكرة الأردنية — بوح القرى

بير خداد، الشوبك

بير خداد: بيوت تعانق السماء

مشهد عام لبيوت بير خداد ومسجدها وسط التلال
01 / 06مشهد عام للقرية. تصوير: مفلح العدوان.

سيرة المكان

بير خداد: بيوت تعانق السماء --------------------------------------------------- هي جارة الريح.. محلقة كأنها تريد معانقة الأعالي، وترغب في ملامسة كل غيمة تمر في سمائها، ولهذا فأناسها يرددون بفخر أن قريتهم تُذكر على أنها أعلى منطقة مأهولة بالسكان في العالم، وأنها منتشية بمكانها في جنوب الأردن بين الشوبك والبتراء، واسمها "بئر خداد". الشارع الذي يؤدي إلى القرية يحمل في مسماه أول دلالات المكان المعبأ برغبة حقيقية في البوح، فهو طريق "لسان بير خداد"، وكأن في هذا الدرب الممتد من بؤرة رأس الخربة إلى الاتجاه الخارج منها، إيحاء بالتوق للتحدث كثيرا عن أسرار بقيت مدفونة بين الحجارة، والآبار، والسراديب، وفي صدور الناس منذ سنين عددا، ولم يتم الكشف عن حقيقتها حتى الآن. خربة الحدادين إنها "بئر خداد" أو "بير خْداد"، وقديما كانوا ينادونها بـ"بير خَدّاد"، وأحيانا "بير حَدّاد، ولكل تسمية من هذه الأسماء مرجعية ودلالة تعيدها إلى قصة أو لغة أو فترة من تداعيات تاريخ القرية، غير أنه من الممكن أكثر ربطها بتاريخ الاستيطان في المنطقة، وإرجاعها إلى الناس الذين أقاموا في الشوبك لتكون الصلة منطقية بين القرية وعشيرة الحدادين الذين كانوا يواطنون الشوبك قبل مئتين وخمسين عاما، وكانت تربطهم علاقات طيبة مع الناس هنا، قبل أن يهاجروا إلى رام الله ثم الكرك اثر نزاع مع بعض عشائر البدو في المنطقة، كما يورد هذا الدكتور يوسف الغوانمه في كتابه "التاريخ الحضاري"، وعلى ذلك يمكن القول أن مكان البئر كان لأحد أبناء هذه العائلة فأُخذت التسمية منه في البداية لتصبح "بئر حدادين"، ثم "بئر حداد"، إلى أن وصلت التسمية إلى ما هي عليه في الوقت الراهن. ويؤكد هذا الافتراض أنه يوجد هناك في الشوبك مناطق أخرى مرتبطة بهذه العائلة مثل منطقة الحدادة أو خربة الحدادين، وفي ذات الوقت يشير "الحاج إبراهيم جبر الرفايعه"، أحد كبار القرية، أن صاحب هذه الأرض كان من آل حداد، "وسموا الأرض باسم البئر الذي كان بأرضه، ولما راح حداد أجا اللي بعدو وتغير الاسم". كما يمكن تفسير الاسم بالإتكاء على تحليل جغرافية المكان، إذ أن القرية رغم ارتفاعها، ليست حادة في تضاريسها، بل هي أقرب إلى الهضبة وتنتشر في منطقتها الوديان والأخاديد، وبسبب هذا ربما تم تحوير لفظة الأخاديد إلى "خداد" لسهولة نطقها وتم نسبة "البير" إليها. المسجد البداية في "بير خداد" تكون مثل كل بقية القرى في الأردن من الخربة القديمة أو من البئر أو من المسجد. وهنا، في "بير خداد" يتداخل الثلاثة في مسار واحد: فالمسجد هو قلب الخربة القديمة، التي اسمها مقرون بالبئر، الذي صارت كل القرية عنوانا له. دليلنا في فض أسرار القرية كان "الحاج إبراهيم الرفايعه"، وقد أدخلنا مباشرة إلى مسجد الخربة القديمة الذي يعتقد أهل القرية أنه بني في زمن خالد بن الوليد، لكننا وجدناه كتلة حجرية واحدة، بلا أي باب له، فقد تم إغلاقه "بالطوب"، ومعه كل النوافذ إلا واحدة رأينا منها المنبر والمحراب، والعقود القديمة التي تسنده حتى الآن. أمام هذا المسجد أرانا "الحاج إبراهيم" فُتحة قال إنها تؤدي إلى مكان بعيد داخل الكنيسة التي توجد تحت الخربة، مقابل المسجد، التي بنيت كل مرافق القرية القديمة فوقها. وفي هذه الكنيسة صليبان اثنان ومذبح بينما الأرضية فيها من حجر مرصوف بشكل هندسي، ولها سرداب يصل حتى هذا المكان (ويقصد المسجد). السرداب يشير "الحاج إبراهيم" إلى أنه في أحد أيام الشتاء الماضية كان أمام المسجد، وكان الثلج يغطي القرية ومتراكم فيه، فحصلت انهيارات في أكثر من مكان، وكانت إحدى تلك المواقع قريبة من المسجد حيث كشفت تلك الانهيارات طورا عميقا يؤدي إلى خان كبير تمتد منه الخربة الأثرية العتيقة بمبانيها وسراديبها ودروبها. يقول "الرفايعة" أنه بعد ذلك أحضر سلما ونزل إلى عمق الخان، وكان معه مصباح "لوكس"، وعاين الكنيسة وشاهد السرداب الذي يؤدي منها إلى باحة المسجد. وفي ذاكرة القرية بنيت على هذه المشاهدة أسطورة تقول أن هذا السرداب هو جزء من كنيسة، وأنه حين كانت تمر أيام ريح صرصر على المكان كانوا يجتمعون هنا ويختبئون في هذا الدهليز، كما أنه يوجد منه باب ودرج يؤدي إلى عمق تلك الكنيسة. أسطورة الجد رغم قلة التنقيبات الأثرية في القرية إلا أن أهل "بير خداد" يعرّفون قريتهم أنها "تاريخية، موغلة في القدم"، ويدللون على ذلك "بالأنتيكة" (العملات القديمة) الكثيرة التي يعثرون عليها عند مجاري السيول وفي القبور الرومانية المتناثرة بكثرة في محيط القرية. لذا كثر الباحثون عن الكنوز في "بير خداد"، ويشير أهل القرية إلى أن بعض هؤلاء وجد جرة فارغة عليها صليب، أو عملة قديمة منقوش عليها رجل حليق يضع أعشابا على رأسه، كما أن منهم من سبر آبارا مجاورة باحثا عن كنز يتحدث عنه أهل القرية، كجزء من أسطورة جد الرفايعه في "بير خداد"، وبأنه يمتلك كنزا من الذهب الخالص مخزون في رقبة جمل منذ مدة طويلة غير أنه لم يعثر عليه أحد، وما من دلالات تشير إليه. ويقول "الحاج إبراهيم" أن القرية قامت على خربة أثرية قديمة جدا، وفيها مغائر وعراقات كثيرة، وهناك حوالي خمسمئة مغارة في القرية، ويروي أنه في أيام زمان يقال عن "واحد من أهل القرية كان هاربا من الدولة ولحقوه، ودخل في إحدى هذه المغائر، وبقوا ينتظرونه أمامها لكنه كان قد هرب منهم لأنه خرج من مكان آخر غير هذا المكان". المغائر يتحدث أهل القرية عن علاقة قوية بين بير خداد وقرى مثل "شَمّاخ" و"أبو مخضوب", وكأن تاريخها القديم مشترك يلظمها في منظومة واحدة منذ قديم الزمان. وعن تاريخها في بدايات القرن الماضي يروي أهل "بير خداد" أنهم كانوا "يصيّفوا في بير خداد ويشتّوا في شماخ"، بسبب البرد القارص في القرية لارتفاعها وانخفاض درجات الحرارة فيها شتاء. لذلك كانوا يقضون في بيوت الشعر في "شماخ" فصل الشتاء إذ أن تلك القرية تحميها الجبال التي تحيطها، بينما في الصيف ينتقلون إلى "بير خداد" التي كانوا يزرعونها بالقمح والشعير في تلك الأيام. وكانت الأراضي أميرية في مرحلة سابقة، وكانت الدولة تأخذ من الذين يزرعونها "أعشارا"، حيث كانت تتشكل لجان حكومية "تطلع إلى القرية ويقدرون المحصول، ويعدّوا بالأمداد(المد 20 كيلو غراما)، وكان يتم هذا التقدير قبل موسم الحصاد "الحصيده"، وتأخذ الدولة بدل تقديرها نقودا "مصاري"، واذا لم يدفع أحد فإنه يتم الحجز على بيته أو غنمه، لكن في عام 1951 فوضوها لأهل القرية، ولم يتم تسجيلها بشكل نهائي إلا عام 1976. يروي "الحاج إبراهيم" أن أهل القرية كانوا يسكنون في "المغائر" في المرحلة التي سبقت بناء البيوت، وكانت هذه المغائر واسعة حتى أنهم يتذكرون في القرية انه في الثلاثينات من القرن الماضي "كان قائد مخفر الشوبك واسمه "أبو شبلي"، يقوم بجولة في هذه المنطقة، "وأثلجت الدنيا، وكان معه ثلاثة جنود مع خيولهم، فبات هو وجنوده والخيل في إحدى هذه المغائر مدة ليلتين". وكانت تلك المغائر معروفة بأسماء أصحابها مثل مغارة محمد هملان جبارات، ومغارة عيد وإخوانه، ومغارة بديوي، ومغارة عبد الله عيسى ذياب، ومغارة عبد الوهاب محمد جبر، وتم بناء القرية من الحجر أثناء وجودهم في المغائر، وهذا حصل في الخربة القديمة بالأربعينات والخمسينات، وكان "أول بيت بني فيها هو بيت إبراهيم المعمرين من الحجر"، وآخر واحد خرج منها إلى البيوت الحديثة هو عبد الله الجبارات، وكان أول مختار فيها هو المرحوم جبر إبراهيم العمارين، وهذه القرية معظمها من عائلة الرفايعه ومعهم فيها عائلة الجبارات. عيال خليفة زار الرحالة السويدي بيركهارت المنطقة خلال رحلاته إلى الأردن في بدايات القرن التاسع عشر، وكتب انطباعاته عن المكان والإنسان فيها، وكانت حصة الشوبك وقراها في مذكرات بيركهارت مؤرخة في (21 آب 1812). ويقول فيها عن الرفايعه الذين يسكنون بير خداد الفقرة التالية: "وبعد مسيرة ساعة وربع الساعة من مخيمنا وصلنا مخيما لعرب (الرفايعه) حيث قضينا الليلة عندهم. وهم من البدو المشهورين بشجاعتهم، ويتكون المخيم من ستين خيمة، ولديهم مئة مسلح بالبنادق، ولديهم قطعان كبيرة من البقر والغنم، ويزرعون المناطق المحيطة بهم بالذرة، كما أنهم يزرعون العنب الذي يحولونه إلى كميات كبيرة من الزبيب الذي يصدرونه إلى غزة". ويذكر كل من "فريدريك ج.بيك" و"أحمد عويدي العبادي أن الرفايعه أو عيال خليفه هم أبناء عم ملاحيم الشوبك، ونعيمات معان، وسعودية بصيرا، والأخوة الأربعة هم "رفيع وملحام ونعيم وسعود" وهم أبناء رجل جاء من الحجاز يسمى منصور الأعمى، والعائلة الرفايعه تنقسم إلى أفخاذ منها ما يتصل بالدم ومنها ما يتصل بالسكن "المنزل". أيام العصملي للقرية بوح متعلق بأيام "العصملي"، أي الأتراك فيها، وما كان يعانيه أهلها في الأيام الأخيرة من عهد الدولة العثمانية. يقول كبار "بير خداد" أن المشكلة كانت مضاعفة في أواخر أيام الأتراك الذين صاروا يسيئون إلى المواطنين ويظلمونهم، فثاروا هؤلاء عليهم، وخرجوا من القرية و"راحوا بعيد"، ونقلوا عائلاتهم إلى "شماخ"، وصاروا يرصدون القرية ويرقبون تحرك الأتراك فيها، لكن بين فترة وأخرى كانت النساء يذهبن إلى القرية لإحضار الطعام والمؤن من غرف الخزين في بير خداد، وفي أحد الأيام جاءت سبعة نساء من قرية شماخ ودخلن إحدى غرف الخزين في القرية وصدف في ذات اللحظة أن جاءت مجموعة تركية ودخلت القرية، وكان ثلاثة من رجال القرية يربضون على التل المقابل للقرية، ورأوا الجنود الأتراك وهم ينسفون اثنين من بيوت القرية، ولما اقتربوا من البيت الذي فيه النساء بدأ هؤلاء الرجال من بير خداد يطلقون النار باتجاه الأتراك، فخاف الجنود وبدأوا يحتمون بالبيوت حتى يستطيعوا التغطية على انسحابهم من القرية، ولما جاء الرجال لإنقاذ النسوة وجدوهن في الغرفة خائفات ولم يمسهن أذى، وبعدها طاردوا الجنود وقتلوا اثنين منهم، وفي نفس الوقت كان أقارب النساء قادمين من "شماخ" للبحث عنهن فلقوا اثنين من "فرار" الأتراك في طريقهم، ويقول الحاج إبراهيم انه رآهم وهم يقتلون هؤلاء الأتراك ويرمونهم تحت شجره. المدرسة في بيت الشعر يدخل هنا الحاج إبراهيم في ذاكرة التعليم في القرية قائلا أن المدرسة كانت لأحد أبناء القرية وهو إسماعيل احمد الجبارات، لأن أهل بير خداد اجتمعوا واتفقوا أن تكون داره هذه هي المدرسة فقاموا بصيانتها وإصلاحها، بعد ذلك طلبوا معلما من التربية، وكان عام(1956)، "وجابوا معلم من بصيرا اسمه حمد، بعدين أجوا معلمين من الشوبك"، وقبل البناء، يقول الحاج إبراهيم أنهم كانوا يدرسون في بيوت الشعر، ويأتون بمعلمين على نفقتهم، وبيت الشعر الخاص بعائلته أحيانا يصير هو المدرسة، ومن المعلمين الذين درّسوهم في تلك الفترة يتذكر أستاذا من بصيرا يدعى "إبراهيم قاسم"، وفي مرحلة أخرى من الدراسة كانوا يتعلمون في الشوبك حيث يذهبون إلى المدرسة هناك ويعودون مشيا على أقدامهم. *** ربما يكون مسك الختام عن ذاكرة "بير خداد" هو في التعريج على قصص الغيلان في القرية، وإذا كنا نتحدث بها في هذا المقام، فقد يكون بعضها مكرر في قرى أخرى أيضا، ذلك أن جدات بير خداد والأمهات فيها يتحدثن كثيرا عن الغيلان، في أن بعضها يتشكل على هيئة فتاة جميلة تغازل الرجال أو رجل كهل يطلق حكما مغرضة، وعندما يعود الغول أو الغولة إلى الطبيعة "الغولانية" يقوم بطحن السكر في رحى ضخمة جدا، والطريف أن هذه الأحاديث كانت الجدات يتحدثن بها للصغار، وأحيانا قبل النوم كتسلية لهم في أيام القرية القديمة، حيث ملجأ الأساطير والقصص الغريبة. ***
02 / ألبوم المكان

صور بير خداد، الشوبك

من عتبات البيوت إلى ظلال الحقول، تبوح القرى بما حفظه أهلها.