قرى بني هاشم..
جيرة الماء وتحولات الأسماء
-------------------------------------------------------
غربا من الزرقاء إلى جرش ..
غربا وقد كان الخروج من مركز المدينة عبر الطريق الرئيسي نحو التجمعات البشرية المنتشرة حوله، غير أن مجموعة القرى التي صارت تأخذ اسما واحدا جعل من لحظة الصمت قبل الاستفسار عن السبب إيذانا بقصة حكايا القرى الأربع التي تتشكل منها قرى بني هاشم.
هنا تجاوز السؤال إيقاع بحّة الاستفهام، داخلا فضاءات محاولة رسم تفصيلات التغييرات على الاسم، منذ العهد التركي، وفي عهد الإمارة، إلى أن اكتملت دائرة لحظة الإصرار على تغيير الاسم متحققة بشكلها النهائي في بداية التسعينات من ذات القرن.
تقول قصة الاسم، والعهدة على ذمة أكثر من راو لتلك الحكاية، أن إرهاصات تغيير اسم القرية بدأت في "دوقرة" التي لها صلة قوية بما تعاقب عليها من أسماء لتكون فيها بذرة الاسم الأخير المقترن بالهاشميين.
أهل دوقرة كان بعضهم قريبا من الأرض "السقي" المروية من السيل، وبعضهم الآخر يسكن الأرض البعل البعيدة عن الماء، لكنهم جميعا يقيمون في القرية، وكلهم يعودون في جذورهم إلى نفس القبيلة التي تظللهم على اختلاف عائلاتهم..
بدأت حكاية الاسم حين كان جمع من "ختيارية" بني حسن من العموش يتشاورون في المكان الذي توجد فيه بقايا القرية القديمة الآن، على نية تغيير أو إبقاء الاسم الذي اقترن بها منذ عهد العثمانيين ،وهو المنشية، بعضهم أصر على بقائه وآخرون اعتبروه "ميراث العصملي (الأتراك) ولا بدّ من التخلص منه".
ترصد الذاكرة المتبقية لقرية دوقرة من هؤلاء الكهول الذين تشاوروا في شأن اسم القرية : اشتيوي العبد، وعواد السلمي، ومحمد ندى القلاب، وعواد رجا السميرات، وعبد الكريم حسن العموش، وكان هناك غيرهم لم ترسخ أسماؤهم في بوح من تبقى من حملة الحكاية.
اختلفوا على التسمية بين المنشية وبين أسماء أخرى كان من ضمنها أيضا الهاشمية عنوانا للعهد الجديد في الأردن، لكنهم لم يتفقوا على رأي، وتعاندوا، "وتداقروا" بالمعنى الشعبي للتصعيد والتحدي فيما بينهم، خاصة بين كل من محمد الندى الربيع وعواد السلمي، وكان هذا في نهاية الأربعينات، لكنه حين طال النقاش والخلاف، واحتد الحوار بينهم خاصة بين محمد ندى القلاب وعواد السلمي، حينئذ ارتفع صوت أحد "ختيارية" القرية، وهو اشتيوي العبد، وكأنه أحس بالأزمة التي وصل إليها النقاش، وأراد أن يفض النزاع الذي لم يصل إلى نقطة حسم له، بل أوشك أن يتطور إلى مشاجرة وخلاف بين المتحاورين، فقال "فضّوا الجلسة، ورَوْحوا على دوقره"، هذه "دوقرة" إشارة إلى "تداقرهم" وإلى القرية التي "تداقروا" وتنازعوا على تسميتها، والتصق هذا الاسم بالقرية، دوقرة، وبقيت حتى الآن، لكن الخيارات الأخرى بقيت في ذهن أهل القرية وما جاورها من مناطق أخرى، خاصة تسميتها بالهاشمية، وهذا ما دعى المرحوم ضيف الله عبد الرحيم القلاب، (وهو رئيس أول مجلس قروي لقرى دوقرة وعين النمرة والرحيل وأبو الزيغان في عام 1972م، وبقي هو في موقعه هذا رئيسا حتى بعد تحويل المجلس إلى بلدية في عام 1999م)، إلى محاولة تثبيت الاسم ولكن بصيغة أخرى حيث كان طموحه أن تبقى قرية دوقرة باسمها هذا وكذلك القرى الثلاث الأخرى، ولكن يتم جمعها تحت مسمى واحد هو قرى بني هاشم.
كتب دون تأخير من موقعه كرئيس لمجلس قروي عين النمرة ودوقرة والرحيل وأبو الزيغان في عام 1992م إلى المحافظ لتغيير تسمية تجمع القرى إلى قرى بني هاشم تكريما لآل البيت وولاء وتقربا منهم، ثم بني على هذا الطلب مراسلات عديدة بين المحافظ ووزير الداخلية ورئيس الوزراء والديوان الملكي الهاشمي امتدت إلى عدة أشهر أثمرت في النهاية عن صدور القرار النهائي بالموافقة مشفوعا بكتاب هذا نصه:
السيد رئيس بلدية مجلس قروي عين النمرة,دوقرة,الرحيل,أبوالزيغان
أعلمني سيادة رئيس الوزراء الأفخم بكتابه رقم 25/11/2/11907 تاريخ 15/10/1992م بصدور الإرادة الملكية السامية بالموافقة على تغيير اسم القرى التابعة للمجلس إلى اسم بني هاشم.
للعلم وإجراء اللازم على ضوء ذلك. وزير الشؤون البلدية والقروية والبيئة. الاستقرار، واختيار المكان
أما وقد ثبت الاسم الحديث لهذه القرى إلا أنها تتذكر ماضيها وبدايات الاستقرار فيها، بما تحمل من حكايات منذ قدوم عشيرة العموش من بني حسن إلى تلك التجمعات السكنية الأربعة، وهم فيها يرجعون إلى ست عائلات: (القلاب، والسميرات، والعويسات، والعيسى، والبكور، والحمارين).
كان أول حضور لهم هنا في الثلاثينات من القرن الماضي وفي بيوت الشعر، ثم في الأربعينات بنوا بيوتهم القديمة من الطين والتبن وبسقوف من الخشب والقصيب، وكان هذا بالنسبة لهم إيذانا بالاستقرار بعد البداوة، حيث كانت آنذاك تقسم الأرض بينهم بحسب الفدادين لا بمقياس الدونمات، وقد اختاروا المكان في هذه البقعة لتوفر الماء فيها، حيث سيل الزرقاء الذي يجاور قراهم التي اختاروها.
وقد وجدوا فيها مشربا ومأكلا لحلالهم ومواشيهم، واستقرارا قادهم إلى امتهان الزراعة التي أغراهم بمزاولتها سحر سيل الزرقاء الذي كان نقيا ومياهه وفيرة. قسمة زعمط
في بداية تلك المرحلة كان الحكم الانجليزي وبشائر تشكيل إمارة شرق الأردن، وكانت أرض هذه المناطق كلها واجهة عشائرية ولا بد من تقسيمها ليستقر أهلها فيها.
في تلك المرحلة بدأ إفراز الأراضي وكان اسم الفرّاز الذي ثبت أراضي تلك القرى "زعمط" وما زال اسمه على ألسنة أهل قرى بني هاشم توارثوا اسمه، وبعض قصص هو بطلها كأنه أصبح جزءا من تاريخ تلك القرى التي قام بإفراز أراضيها، ووزعها بحسب "القواشين" لكل عائلة منهم، وصار لكل ملكية في هذه القرى موثقة ومفروزة بحسب "قسمة زعمط"، وهي على حالها رغم تناثرها وتفتتها حتى الآن، وهي أيضا فاتحة لتسميات تنطبق على كل مساحة فيها. حكاية "عين النمرة" في الجهة المقابلة لدوقرة تقع عين النمرة، على الضفة الأخرى لسيل الزرقاء، وهناك تجمع صغير للسكان ومزارع ومشاتل، وقد أخذت التسمية من عين الماء هناك، وارتبطت قصة التسمية في أن هذا السيل كان غزير المياه وفيه أسماك وتحلق فوقه الطيور وحوله أحراش وغابات وشجر ومزروعات، وفي تلك المنطقة حيوانات كاسرة فكانت تلك النواحي خطيرة لمن يرتادها لكثرة الأسود والنمور والحيوانات المفترسة على ضفتي السيل وفي الغابات المجاورة له.
يروي أهل القرية أنه كان هناك نمرة وأبناؤها تقيم قريبا من النبع وحين تعطش تنزل إلى عين الماء وتشرب منها، ومن كثرة تواجدها هناك أطلق على النبع هذا الاسم نبع النمرة.
ويذكر أهل القرية أنه كان هناك قصر على ظهر العين وكان فيه سرداب ثم بئر تصل إلى النبع من القصر, وهذا البنيان غير واضحة ملامحه بينما البئر فيقول أهل المنطقة أن صاحب الأرض التي يقع عليها النبع طمره، وقد سحبت مياه النبع لتستغل تجاريا من قبل مصنع لتعبئة المياه. "الرحَيِّل".."اصير الجاموس"
جرت تسمية أحواض أراضي القرية بهذا الاسم من أيام "قسمة زعمط"، واسمها هذا يرجع إلى سببين تبلورت عنهما أحاديث الناس هنا، في إحدى الروايات أن القصر القديم الذي ما زالت حجارة آثاره على يمين مدخل القرية، كان هذا القصر يعود إلى حاكم مملوكي قديم اسمه "ارحَيِّل"، كان يقيم هناك وسميت المنطقة باسمه وجرى تحوير الاسم إلى "الرحيّل"، لكن الرواية الأخرى هو أن عائلة العموش في بداية تواجدها في المنطقة كانت ترحل إلى هذا المكان في الصيف قادمة من قرية العالوك، ثم يرحلون منها عائدين إلى تلك القرية في الشتاء، فسمي المكان "بالرحيل" نسبة إلى ترحالهم الموسمي هذا.
وللقرية اسم آخر قديم كانت معروفة به قبل "الرحيل" وهو "اصيَر الجاموس" وتعني حوش الجاموس أو حظيرته التي يأوي إليها، وما زال البعض يتذكر هذه التسمية حتى الآن.
وبعض آثارها يعتقد أنها تعود إلى العصر البرونزي المبكر، كما أن بها آبارا قديمة لتجميع المياه. "أبو الزيغان".."القبر الأبيض"
اسمها العتيق يقال أنه "القبر الأبيض".
يروي الأهالي أنه كان موجودا في القرية قبر قديم أبيض ووحيد، ولهذا توارثوا الاسم ويذكرونه في القرية رغم عدم وجود أي دلالة عليه الآن.
أما اسم "أبو الزيغان" فقد أطلق على القرية لأنه يوجد فيها نبع مياه، وواد تجري فيه تلك المياه وهناك سد ما زال حتى الآن ويقال أنه كانت هناك كميات كبيرة من الزاغ (الغربان) في المكان، فسمي وادي "أبوالزيغان"، وكان هذا الاسم من أيام العثمانيين لأن "قواشين" الأراضي القديمة منذ ذلك العهد كان يذكر بها هذا الاسم "أبو الزيغان". في بيت موسى الربيع
موسى محمد ندى الربيع القلاب العموش هذا اسمه بالكامل، التقيته قبل أكثر من عشرة أعوام، وكان استقباله بشوشا وواثق من تفاصيل حديثه رغم أنه يعترف بأنه لا يلم بكل تاريخ هذه القرى التي ينتمي إليها لكنه يستطيع أن يقص ما يعرفه أو سمعه عنها.
في حوش بيته حجران عتيقان، قال ان احدهما من منطقة "ودعه" القريبة والتابعة لقرى بني هاشم رغم أن التقسيمات البلدية جعلت بعض المناطق تتداخل بين المحافظات والبلديات لكنه يمشي في معارفه بحسب ما توارده ونشأ عليه من أن منطقة ودعه والبيره تابعتان لقرى بني هاشم، وهذه الحجر من خربة ودعة، وأشار إليها فكانت بيضاء منحوت عليها صورة صقر نافر منها، وأضاف أنه كان هناك بعثة فرنسية كانت نقبت في هذه الخربة التي يعتقد أن آثارها بيزنطية، وأنه شاهدهم يخرجون منها أشياء تشبه الكتب ولعلها صفائح من النحاس.
وحين أكمل كلامه عن حجر ودعه أشار إلى الحجارة السوداء التي بجانبها، فلم يفصح عن المكان الذي أحضره منه لكن نقوشه واضحة وتذكر بالنقوش الثمودية القديمة. رشوة كلوب باشا
وبدأ بعد افتتاح الكلام عن الحجر بالترحم على ضيف الله القلاب الذي كان يخدم كل أهل القرى، وهو السبب في تغيير تسميتها، ثم قال ان هناك حديثا لديه عن محاولة كلوب باشا رشوة الشيخ مرزوق القلاب لكي يتعاون معه، ويسهل له بعض المهمات في المنطقة، وأنه رفض قائلا أنه لا يقبل أن تحكم المنطقة قوة أجنبية مثل بريطانيا، وعندما خرج كلوب وضع تحت فرشته التي كان جالسا عليها مبلغا مقداره 700 جنيها وابتعد، وحين اكتشفها كان عنده قومه فقال له أحدهم لقد رشاك كلوب، فأخذهن وحملهن مرجعا إياهن إلى كلوب الذي هدد وقال انك سوف تندم أنت وقومك إلى آخر العمر على فعلتك هذه برد عطية كلوب. من الكُتّاب إلى المدرسة
وعن الدراسة والكتاب أيام زمان يقول "أبو حسين" أنه في عام 1951م كان هناك تجمع سكاني من سبع عائلات وكان هناك بحدود سبعة أطفال بحاجة إلى تعليم، فجيء برجل اسمه عبد الكريم حسين من منطقة النعاني من فلسطين لكي يعلمهم كصاحب كتّاب في القرية واستمر حتى عام 1954م وبعدها تم نقلنا إلى السخنة لندرس في بيوت من الطين كانت فيها مدرسة السخنة الحكومية قريبا من مسجد الشيشان القديم، ونحن الذين خرجنا من القرية إلى المدرسة صار منا المزارع والمختار والباشا مثل علي سلامه العموش الذي كان معنا، وبقينا ندرس حتى الصف الرابع وكان يدرسنا أستاذ شركسي هو أحمد محمود شاهنكري، هو أبو السفير محمد أمين الذي كان سفيرنا في لندن، وقد مرت سنوات أربعون بعد مرحلة الدراسة في السخنة حين التقيت أستاذي صدفة وحاولت أن أُقَبّل يده، فقد كان عزيزا علي لكني رأيته كهلا في أرذل العمر. موجة الكوليرا
عام 1982م كان أصعب الأعوام في القرية، فهذا عام موجة الكوليرا، وقد حوصرنا بسبب الإجراءات الوقائية من هذا المرض، حوصرنا إلى درجة اننا أوشكنا أن نخسر كل ما لدينا من مزروعات ومحاصيل، ولم تتوقف عن هذا العام فقط بل استمرت الإجراءات حتى عام 1990م.
ويفسر أبو حسين هذا بأنه ما إن سرت إشاعة الموجة حتى أوقفت الجهات الرسمية ضخ المياه إلى المزارع، وجرى تنشيف الشجر على السيل، وطلب منهم تغيير نمط زراعتهم إلى البرسيم، واعترضنا إلى كل الجهات الرسمية في تلك السنوات، وقلت لوزير الزراعة إننا لن نستطيع تغيير زراعتنا بهذه الطريقة، فكان رده في تلك المرحلة، وكأنه يستهتر بنا، بقوله "انتم لن يؤثر عليكم المرض"، وكانت إجراءات الجهات الزراعية ضدنا، خاصة وانه بعد أن انحسرت الموجة بقيت الإجراءات لتبقى المياه محولة إلى سد الملك طلال لكي يستفيد منها بعض أصحاب المزارع هناك.
أكمل كلامه قائلا: "لقد قطعوها عنا ليستفيد ناس آخرون، وهذه أثرت فينا كثيرا في تلك الفترة، وقد أغلقوا جميع المحركات (الماتورات) التي نضخ بواسطتها الماء، وصادروها، وتم تحويلنا لمحكمة امن الدولة، وحكمنا القاضي بثلاثة أشهر سجن وغرامة 300 دينار، فاعترضت وكنت غضبانا، فسحبوني خوفا من أن أتهور في الكلام في المحكمة، لكن القاضي قدّر حالتنا فخفض الحكم إلى الاكتفاء بغرامة مقدارها 100دينار فقط وبدون سجن".
أما بالنسبة لشعبة البريد فيقول أنه كان في بيت رجل من القرية اسمه إبراهيم اشتيوي القلاب، ومع انه كان من المفروض أن تبقى الخدمة هذه أربعة وعشرين ساعة لأنه وسيلة الاتصال الوحيدة ولا يوجد إلا هذا الهاتف "المانويل" لربط القرية بالعالم الداخلي والخارجي، إلا أن إبراهيم اشتيوي لا يفتح الباب لأحد بعد الساعة العاشرة ليلا قاطعا كل الاتصالات بعد تلك الساعة، وهذا الكلام حوالي عام 1973م. المرابي
قبل أن ينهي كلامه تطلع من حُوش بيته إلى بعض مناطق القرية وقال متحسرا "ترى المرابين الهم نصيب كبير هان"، وأحب أن يتحدث دون أن يذكر اسم الذي يقصده، لكنه ذكر بعض قصص معروفة من أن أحد أبناء القرية استدان 25دينارا ذهبا، مراباة من هذا الشخص، وبقيت تزيد إلى ان صار المبلغ 500 دينار، فحجز المرابي على 800 دونم مقابلها. ويذكر عن ذات المرابي أنه أخذ 400دونم من أحد القرويين مقابل رؤوس معدودة من الأغنام، وحين مات هذا المرابي كانت ملكيته تصل إلى حدود المئة وعشرين ألف دونم جمعها من القرية وقرى أخرى متعددة وما زلنا نراها أمامنا ونكرر هذه القصص ولكن بصريح الاسم فيما بيننا.
بوح القرى · الأردن
الذاكرة الأردنية — بوح القرى
قرى بني هاشم، الزرقاء
قرى بني هاشم: جيرة الماء وتحولات الأسماء

سيرة المكان
02 / ألبوم المكان
صور قرى بني هاشم، الزرقاء
من عتبات البيوت إلى ظلال الحقول، تبوح القرى بما حفظه أهلها.

