بوح القرى · الأردن

الذاكرة الأردنية — بوح القرى

القصر، الكرك

القصر: «بيت كرم» وبيوت الأوائل

بقايا حجارة أثرية ومئذنة في خلفية الصورة
01 / 06حجارة أثرية في القصر. تصوير: مفلح العدوان.

سيرة المكان

القصر: "بيت كرم".. وبيوت الأوائل --------------------------------------------------------------------------------------- مرورا بشيحان.. سلاما على القائمين هناك.. ها قد جزت وادي الموجب، وحلقت بنظري فوق جبل شيحان، ثم تتبعت أثر السهل المنتسب إليه، واشتممت رائحة الشهداء، واستمعت إلى قصص الرجالات الرموز الذين واطنوا المكان، ثم تذكرت قصائد الشعراء في حضرة هذا التراب.. تابعت المسير حتى "القصر" في الكرك، تلك القرية المنتمية إلى "شيحان".. سلمت على الطيبين، ثم دخلت المعبد الذي أخذت القرية اسمه.. قلت: "مبارك هذا الأثر".. تأملته كأنني أمارس طقس حج جديد إلى "بيت كرم" ، وما ان تشربت المكان حتى تخيلت حولي التجار، والمؤمنين، والقاطنين هنا منذ سنين عددا، واستعدت صور العابرين من هذا الدرب حين كانوا يتباركون بالإرث القديم فيه، ويتحاورون حول زمن متجدد يظلل أرجاء "القصر"، حيث ذاكرة الأنباط الأوائل، وقصص الأبناء المزروعون قربه عهدا وراء عهد! المعبد النبطي "القصر".. صرح مهيب لا يعرف حقيقة تاريخه إلا من كان جنوبي النبض، كركي الهوى، وها قد تلمست بحلولي هنا بعضا من حجارة الطريق السلطاني المار بالقرب من القرية، التي سميت بهذا الاسم نسبة إلى القصر الموجود في بؤرتها، وقد كان معبدا اسمه "بيت كرم". وهي، أي قرية القصر، "اسم لمعبد خرب يعود إلى زمن الأنباط-الرومان، وهو من حيث صيغته اسم نمطي لأسماء الأمكنة التي تعود الى العربية الكلاسيكية"، هذا كما أشار للمعنى الدكتور سلطان المعاني في دراسته حول "أسماء المواقع الجغرافية في محافظة الكرك"، وهو يضيف أيضا: "واسم قصر في العربية دخيل، إما عُرّبت عن الآرامية ((qestra,qastra,qasra،"قصر"، أو أخذ مباشرة عبر اللاتينية (castrum, castra من الأصل اليوناني .(kastron *** هذا بداية انثيال التاريخ والمعلومة والأحاديث في تتبع تفاصيل القرية، حيث يكون المرور، بعد تفسير معنى الاسم، بجوانب أخرى من قرية القصر، ويكون تلمس تداعيات جغرافية القرية التي تمتد من سفوح جبل شيحان شمالا، وحتى قبر هزاع المجالي جنوبا، ومن قرية مجدولين غربا وحتى وادي الحمة والبالوع والسنينة شرقا. *** تلك هي قرية "القصر".. لونها مختلط بسهول القمح، وبالزهور البرية التي تضفي عليها مهابة، وجمالا، يزيد من معاني تاريخها، وهي إضافة إلى ثراء تاريخها بوجود آثار المعبد في وسطها، يوجد فيها، أيضا، في أطراف القرية القديمة، العديد من الخرب التاريخية مثل خربة "البالوع"، و"الحمة"، و"السنينة"، وخربة "الزقيبة" (خربة عيال خليل ) وخربة "تدون"، ويوجد في هذه الخربة مكتشفات رومانية وكنائس قديمة، وهي تسمى كذلك (خربة فارس). لانكستر هاردنج يتحدث الرحالة والآثاريون عن القرية من خلال المعبد الذي يعتبر من أهم ملامحها، لأنه يحمل الجزء الأكبر من ذاكرة المكان. وعن معبد"بيت كرم" يقول لانكستر هاردنج الذي كتب عن المنطقة في الخمسينات، مشيرا إلى هذا الموقع بقوله: "بعد أن يقطع المسافر 15 كيلومترا بعد الخروج من الوادي (ويقصد وادي الموجب)، فإنه يصل إلى قرية القصر، حيث توجد خرائب هيكل نبطي صغير. لقد أدخل أهل القرية بعض حجارة الهيكل المنحوتة ضمن جدران منازلهم، ويتبين من هذه الحجارة أنها تماثل حجارة خربة التنور في وادي الحسا وتعود إلى نفس الفترة الزمنية.. لم تجر قط أية حفريات في الهيكل، وترى داخله كومة من الحجارة المتراكمة، لا يستبعد أن تخفي تحتها حجارة مزخرفة أخرى). الحارث الرابع تاريخ القرية يشير إلى أنها كانت مستوطنة سكانية نبطية، ذات تعداد سكاني كبير، وقد أكد هذا كبر حجم المعبد واتساع الصالة المركزية فيه، وانتشار الكثير من الكسر الفخارية في مناطق مختلفة منه، كما يوثق ذلك الباحث "أحمد المواجدة" في رسالته الماجستير التي عنوانها "مظاهر الاستيطان النبطي في هضبة مؤاب" والذي يبين فيها بأن بناء هذا المعبد، الذي يعتبر من أهم المعابد النبطية في هضبة مؤاب، يعود إلى الربع الأول من القرن الأول ميلادي، وقد قدر هذا التاريخ اعتمادا على قطعة نقد وجدت في الموقع تعود لفترة الحارث الرابع، إضافة إلى مقارنة منحوتات المعبد المتساقطة منه، بتلك القطع التي وجدت في معبد التنور، مثل منحوتات آلهة الشمس النبطية التي تنتمي لنفس الطراز الفني، وكذلك النحت الذي يمثل رأسا لأسد وزخارف نباتية تمثل ورودا مختلفة. كما أن المعبد كان بالإضافة الى قداسته الدينية، كان يرتبط به نظام دفاعي تمثل بوجود برجين دفاعيين، يتم الوصول اليهما عبر مجموعة من الدرجات، التي تقوم فوق منصات حجرية. وربما كان لهذه الأبراج وظيفة دفاعية أو دينية، لأن منطقة القصر ازدهرت كمحطة تجارية ودينية هامة خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين، وكان المعبد يلبي هاتين الغايتين. بيوت تراثية المتتبع لتشكيل بيوت قرية القصر القديمة، يلاحظ إيقاعا خاصا تتميز به، ويشد زائرها نحو تتبع كثير من دلالات المساحات فيها. بعض تلك البيوت طينية، وأخرى حجرية قديمة بنيت من حجارة مزركشة، كما أنه يلاحظ في بعضها أن جوانب من قناطرها تتكىء على قواعد من حجارة نبطية عتيقة، وهناك بعض أقواس مبنية من حجارة ملتفة بطريقة هندسية مذهلة وبمساحات كبيرة، وهذا الحال ينطبق على بيت إبراهيم باشا ابن خليل الذي أصبح حاليا ملكا لدائرة الآثار العامة، لأن البيت يلبي قدرا كبيرا من وجاهة صاحبه من ناحية الفخامة التي بني منها، وهو ملاصق للمعبد، ويحتوي على مجموعة من الأحجار والتحف التي تنتمي في جذرها الأول إلى الأصل النبطي من "بيت كرم"، وتمثل في أغلبها أشكال ورسومات وتماثيل لآلهة أسطورية قديمة. وهناك آخرون تعتبر بيوتهم، أيضا، في تشكيلها هي جزء من القصر الأثري القديم، بحكم الجيرة، واختلاط الحجارة أيضا، ومنهم بيت (نايف باشا المجالي)، وبيت (الشيخ هجهوج المجالي)، وبيت (الشيخ ذياب ابن سلامه المجالي)، ومجموعة أخرى من الأبنية التي صارت تعد جزءا من تاريخ، وآثار، وذاكرة القصر. الأستاذ عبد الله توفيق حديث البيوت لا ينتهي.. وإذا عايناه من جوانب أخرى، فسنلاحظ لهذه البيوت دلالات ومعان أخرى لدى أهل قرية القصر، فهي بالإضافة إلى قيمتها التاريخية، كبنيان، كانت تُصاغ فيها تداعيات تفاصيل الحياة التي توثقها ذاكرة القرية التي تقول بأن هذه البيوت لم تكن تستعمل فقط لأغراض السكن، بل كانت مقرا لممارسة العمل العام، ولجلسات التصالح، ولترتيب شؤون البلدية. كما أنها استخدمت في فترات لاحقة لشؤون الخدمات العامة، حيث يتحدث أهل القرية بأن أول مدرسة للبنين والبنات تأسست في بيت "نايف باشا المجالي"، ومن ثم بعد ذلك كان ذات المكان هو مقر مديرية الناحية. وعند فتح ملف التعليم في قرية القصر، فإن أول ما يخطر في بال كثير من الأهل هناك، إسم المرحوم الأستاذ عبد الله توفيق الذي يعتبر رائد الحركة التعليمية في القصر، وقد مكث في إدارة المدرسة ما يقارب (45 ) عاما، كما أنه من أوائل أبناء البلدة الذين تخرجوا من مدرسة السلط، هو وأبناء عمومته الذين يتذكرهم كل الأردن بخدمتهم في مواقع تربوية وقضائية وسياسية ونيابية وعسكرية رفيعة المستوى. دولة الباشا عندما يتذكر كبار القرية الشهيد وصفي التل، يتوارد إلى خاطرهم صورته وهو يستقبل وجهاء "القصر"، الذين ذهبوا إليه في ديوانه، وقاموا بمقابلته، وكان حينها جالسا في حضرة وصفي التل، الشيخ الشنقيطي (وزير المعارف في تلك الفترة). بدأ الوفد بعرض ما يريد من رئيس الوزراء، وهي عبارة عن مجموعة طلبات خدماتية للقرية، ولما وصل الحديث إلى تمنيهم على المرحوم وصفي بأن يكون هناك تمثيل إداري في "قرية القصر"، تدخل الشيخ الشنقيطي قائلا:" أرجوكم.. لا تثقلوا على دولة الباشا"، وكان من بين الحاضرين محمد بن إبراهيم باشا الذي أجاب بتلقائية، وبحزم:"نحن لم نقطع واديين _ إشارة إلى وادي الموجب ووادي الوالة _ حتى نشوف لَفْتَك (المقصود عمامته) ونرجع". وهذا الكلام جعل المرحوم وصفي التل يبتسم لجرأة هذا الرجل وسرعة بديهته في الإجابة، مما جعله يوافق على كل بنود عريضتهم، وتم على إثرها تأسيس بلدية القصر. الطاحونة الغازية الافرنجية يشير الدكتور محمد سالم الطراونة في كتابه "تاريخ منطقة البلقاء ومعان والكرك"، أن القصر في عام 1915 دخلت اليها الطاحونة المدارة بالكاز، وتعود ملكية هذه الطاحونة الى السيد "بطرس برنابا بن عبد الله الصناع"، بينما كانت بقية الطواحين في المنطقة تدار بقوة تساقط المياه، وقد ورد اسمها في الكتاب باسم الطاحونة الغازية الافرنجية. ولعل ذاكرة الطاحونة يشير الى أنه كان الطحان في الماضي يتقاضى أجرا عن الكمية المطحونة في مطحنته، بنسبة "اكغم" عن كل "12كغم" من الكمية المطحونة، بينما يسمى الذي يراقب عملية الطحن وإصلاح المطحنة في حال تعطلها بـ"البرّاك". *** قرية القصر، تحمل في صفحات كتاب تاريخها، وعلى دروب حاضرها، الكثير من الأحداث والحكايات والأحاديث، كلها مكتوبة بأحرف المجد والعز والأصالة، منقوش على حجارة بيوتها، وقلوب أهلها، كل ما فيه خير ومحبة وشرف يزهو به التاريخ، تلك هي القصر، قرية الأصالة والأهل الطيبين. ***
02 / ألبوم المكان

صور القصر، الكرك

من عتبات البيوت إلى ظلال الحقول، تبوح القرى بما حفظه أهلها.