"يا كَرك يا زينه صُبوح عَيّت على طلابهامتربعه بين السحاب يغشى النجم مؤابها بدمّ النشامى مطيَّبه ومعطرات ترابهاوامسيجه بفرسانه ومسوره بحرابهاللضيف واكرام النزيل امفتحات أبوابها***وكأن القلب يعرف مرتقاه حين يكون الوصول إلى الكرك..هناك حيث تتربع القلعة على أعلى جبالها، بينما تمتد السهول والجبال على مدِّ البصر حولها، مشكلة محافظة الكرك التي تبعد حوالي 120كم جنوب عمان، وهي تُطل من على جبال شيحان على وادي الموجب، وتشرف مرتفعاتها على البحر الميت بينما امتدادها الشرقي يحاذي مسار الطريق الصحراوي نحو الجنوب.***عريقة التاريخ هي الكرك التي عُرفت في الكتابات القديمة بعدة أسماء، حيث كانوا يسمونها في فترات مضت بـ(كير حارسه)، و(كير حارس)، و(كير مؤاب)، و(جوهرة الصحراء)، وتعتبر كلمة الكرك آرامية الأصل، جاءت تصحيفا لكلمة كرخا أو كاركا، وتعني القلعة، أو المدينة المحصنة القائمة بأعلى التل.***تلك هي الكرك؛ بداية الحرف، في أبجدية المدن التي تصنع التاريخ، حيث يعود تأسيسها الأقدم، إلى العصر الحديدي، نحو سنة 1200 قبل الميلاد، هي التي لعبت دورا مهما في عهد الملك ميشع "ملك مؤاب" الذي وثّق انتصاراته في نقش عرف باسم "نقش ميشع"، وكانت القلعة آنذاك هي معبد الإله كموش، وقد تعاقب على الكرك المؤابيون، والأشوريون، والأنباط، واليونان، والرومان، والبيزنطيون، إلى أن تتوج الفتح الإسلامي بمعركة مؤتة التي وقعت على أرض الكرك، وبعدها بسنوات كان للمدينة تاريخٌ حافلٌ مع صلاح الدين الأيوبي، الذي حارب الملك أرناط، وحرر الكرك منه، ثم ازدهرت وزادت أهميتها في عهد الدولة الأيوبية، حيث سيطر عليها الظاهر بيبرس، واعتنى بها وبنى حول القلعة الخنادق، وجاء إليها الملك الناصر، وأقام فيها، واهتم بعمرانها.***وقد بقيت الكرك هادئة إلى أن احتلها العثمانيون، الذين أهملوا المنطقة لبعدها عن مركز الخلافة، خاصة في مرحلة ضعف دولة الأتراك، فتحداهم أهل الكرك، وكانت شرارة هية الكرك، ضد الظلم والاحتلال في سبيل الحرية، ثم بعد ذلك، انضمت الكرك، وكل أهلها، إلى ركب الثورة العربية الكبرى، خلف بيارق الهاشميين الأحرار، وشاركوا في تأسيس وبناء الدولة الأردنية الحديثة، مع عبد الله الأول ابن الحسين، وبقوا على العهد، مستمرون في مسيرة التطوير والتحديث مع الملك المعزز عبد الله الثاني ابن الحسين. ***مهيبة هي الكرك..تبقى تحاكي تاريخها، وتوائم الحاضر بإطلالتها التي تفيض منها الخضرة، والحضارة، وطيب الذاكرة.وكأنها مقام صالح تُستذكر كل حين فيه عبق الشهداء من معركة مؤتة التي وقعت على أرضها، وبقيت حتى الآن في المزار هناك مَراقد الصحابة قادة المعركة الذين استشهدوا على ثرى الكرك؛ جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله ابن رواحة، رضوان الله عليهم.وكما تنتشي الكرك بانتصارات صلاح الدين الأيوبي، فهي الثرية بالكثير من المواقع الدينية والأثرية على امتداد مساحاتها، تلك المقامات التي تشكل جزءاً من ذاكرتها، كمقام النبي نوح، ويوشع بن نون، والخضر عليهم السلام، وكهف النبي لوط، ومَدين أرض النبي شعيب، وفيها برج بناه الظاهر بيبرس، كما أقيم فيها نصبٌ للقائد الفاتح صلاح الدين الأيوبي، وغيرها من المواقع التي تشكل جانبا مهماً من تاريخ وذاكرة محافظة الكرك.***وتبقى الكرك، مثلما هي علامة مضيئة في التاريخ، أيضا منارة للعلم والأدب والثقافة، حيث ترتبط بدايات التعليم والحراك العلمي والثقافي في محافظة الكرك بالعهدين الأيوبي والمملوكي، ما جعلها قبلة للعلماء والأدباء، حيث تأسست أول مدرسة في الكرك في عهد الملك الناصر بن قلاوون، وسميت بالمدرسة الشافعية، وصارت الكرك مركزا من المراكز التعليمية والثقافي في بلاد الشام، ونبغ الكثير من أبنائها كالقاضي عماد الدين الكركي، وعلاء الدين الكركي الذي استلم كتابة سر مصر في العهد العثماني، والطبيب يعقوب بن إسحاق الكركي، والفقيه يحيى الكركي، وعلى هذا الأساس الثقافي التعليمي، كانت مدرسة الكرك الثانوية، منارة علم وثقافة، وفيها تأسست جامعة مؤتة، وكثير من الملتقيات الثقافية والإبداعية، وبرع من الكرك أبناءها في مختلف المجالات على مر العصور.***وتبقى الكرك حاضرة كل زمان، وحاضنة ثراء الإرث الذي يسكنها، فتبني عليه الحداثة والمعاصرة البنّاءة، فصارت زينة المدن وأرقاها حضورا وثقافة وعلما وطيب حضور، تتألق فخرا وجمالاً، وحصناً أردنياً منيعاً عزيزاً، لكل من واطنها، وأخلص لها.تلك هي الكرك.. جوهرة الجنوب، ومنارة للأصالة والكرم والعطاء.***
خاتمة:
يا سائل التاريخ عن كرك فسلبوابة الإسلام أرض أمانكم كان عزك من قديم سالفهذي مؤاب درة الأوطانيا عنبر الأردن قمة فخرهقد ساد شأنك في مدى الأزمان***
02 / ألبوم المكان
صور الكرك
في شوارع المدن وبيوتها، تترك الحكايات أثرها وتبقى الذاكرة حيّة.