الدفيانه.. "رجم الضَو" و"قصر اركيس" ------------------------------------------------------- لها من اسمها نصيب.. وكأنها من نقاء هوائها، وحميميّة مناخها تأخذ مسماها، دفئا نحت فيها، بسبب انخفاض موقعها، في شمالي شرق المفرق، فصارت تحمل هذا الدفء تميمة ونعتا دائما، لا عنوانا مؤقتا، فهي في جميع الفصول"الدفيانة".. لها من اسمها نصيب .. وكأنها وهي ترى الذين يتسللون ليلا بحثا عن الدفائن في تلك الخربة القديمة التي تقع في موقع القلب منها أخذت ميثاقا على ذاتها، عهدا أبديا، بأن يكون اسمها إحياء لكل تلك الدفائن التي نُهبت منها، ولذا فكبار القرية يرجعون دلالة التسمية، أحيانا، إلى هذا السبب، فيقولون بأن "الدفيانة"، من الدفينة، وذلك لكثرة ما دفن فيها من خزائن وأسرار!! تلك القرية تقبع هناك قرب حافة الصحراء، على الحد الأقرب من سوريا التي لها معها عهدا قديما كان قبل ترسيم الحدود، وقبل أن يطفأ الضوء الذي عرفه أهلها في نقطة "رجم الضو" الفاصلة بين رمل الأردن وماء الشام، ولا أحد يعرف السرّ إلا من واطن المكان وعرف نواميس الزمان فيه، لأن كل قصة هناك تحمل تميمة ورسالة. "الحجه زانه" عجوز القرية القديمة كان اسمها "الحجة زانه".. وهي أخر الراحلين من سواد حجارة خربة الدفيانه إلى بياض الحجر في القرية التي ورثت الاسم، والناس، والتاريخ هنا، وكان هذا عام 1992م كأنه الزمن الذي شكل حدا فاصلا بين البشر الذين يعيشون خارج الخربة العتيقة وبين الحجر الأسود، والتاريخ النبطي والروماني حيث القصور القديمة، والبرك المائية الرومانية الثلاثة التي ما زال أهل القرية يطلقون على إحداها اسم "المطخ"، وكذلك هناك بئر "السيح" المحفورة في الحجر البازلتي داخل البلدة القديمة. لقد ماتت تلك العجوز الكهلة، الآن، وبقيت ابنتها كلما نظرت إلى المدينة القديمة تذكرت أمها، وتذكرت ما كانت كل حين تقوله لها، فتعيد الذاكرة معها وكأنها تريد أن تعيد لها سيرة أهل القرية الأوائل من"العيسى"، وكيف واطنوا هذا المكان. قمح حوران.. وملح الأزرق يتذكر كبار القرية وكأنهم يستحضرون أمنية "الحجة زانه"، عن بدايات الاستقرار في "الدفيانة" التي سكنها مع بداية القرن العشرين "عشيرة العيسى" الذين أحبوا هذا المكان بعد أن عايشوه، وقد كانوا يعرفون الخيمة التي كان ضوءها قريبا من الحد هناك وكان بجانبها رجم سمي باسم الضوء المنبعث كل ليلة من تلك الخيمة الوحيدة حاملة السر بانتظار الآتين إليها قرب "رجم الضو".. هكذا توارثوا الاسم حتى بعد عشرات السنوات، وبعد أن أزيلت الخيمة التي كان يأتيها الرجال بالملح بعد رحلته معهم من واحة الأزرق متجاوزين كل تلك المسافات إلى أن يصلوا إلى ضوء الخيمة ليرتاحون هناك بانتظار الدروز الآتين من جبلهم وثراهم حاملين قمح حوران ليقايضوه بملح الأزرق فكانوا يتبادلون الأخبار مع البضائع عند "رجم الضو" الذي صار بعد أن تلاشت الخيمة ذكرى وبعض قصص يتوارثها الخلف عن السلف قريبا من نقطة الحدود القائمة بين الدولتين !! "لاشي بيك" والشيخ "مجحم" يتحدث الشيخ "سعود كساب الماضي" عن حكاية "حد القرية" التي يتناقلها أهل القرية والتي يوضح فيها كيف تم تثبتت نقطة الحدود التي هي قائمة حتى الآن وقد كان بطل تلك القصة الشيخ "مجحم سليمان الماضي"، وتفاصيل ما حدث هو في أنه آنذاك كانت دولة شرق الأردن في بداية تشكيلها، ولا يمكن أن توجد دولة بلا حدود، وجاء البريطاني "لاشي بيك"، قائد الجيش في تلك الفترة، ووضع رجما ليكون حدا بين "العيسى" وبين "أم رمانة"، احدى قرى حوران التي يقطنها الدروز، لكن الشيخ "مجحم" وجد أن الحد الذي وضعه القائد كان مجحفا بحق قومه وقريب جدا، ويأخذ كثيرا من أراضيهم التي عايشوها وزرعوها، فحاور القائد البريطاني عند ذاك الرجم أملا في أن يغير الحد لينصف أبناء قبيلته، وقال "لو تحرف الحد شويه لأنك جرت على ربعي"، فرد عليه "لاشي بيك" هذا هو الحد وحين تجتمعوا مع الدروز يكون القرار النهائي بعد اجتماعكم، وإذا رفضوا هذه القسمة فحدهم يكون الحد الدولي، وفق معاهدة سايكس بيكو. انسحب "البيك"، وبقي الشيخ "مجحم" يبحث عن خطة يعيد بها الأرض إلى عشيرته بعد أن قرر القائد البريطاني أن يكون الحد بعدها، وانتظر حتى صار الاجتماع مع دروز أم رمانه على نقطة الحد عند الرجم الذي عيّنه "لاشي بيك"، وطلب الشيخ "مجحم" أن يجتمع مع جزء من الدروز حتى يكون الحوار مفيدا، وكان له ما أراد فقال لهم، وكان همه الوحيد هو إقناعهم أن يرفضوا تلك القسمة، وان يعترضوا على قرار "البيك" بدعوى أن حقوقهم مهضومة من قبل قائد الجيش، وبيّن لهم أن اللجنة المسؤولة عن ترسيم الحد ستأتي غدا، وأنه قد بلغه أن حدهم سيكون حتى هنا، والحقيقة انه يجب أن يأخذوا مساحة حتى خط بغداد، ولأن قومه، ويقصد أبناء قبيلته، هم بدو رحل ولا يعرفون قيمة الأرض ولا الحدود، وحتى لا تضيع منهم من قبل البريطانيين لا بد لهم من أن يرفضوا القسمة حتى يتغير الحد الذي قرره "لاشي بيك"، وتتوسع أراضيهم حتى حدود خط بغداد. ونجحت خطة الشيخ، وكان له ما أراد حين اقتنع شيوخ دروز ام رمانه بهذا، وعندما جاءت اللجنة رفضوا أن يكون الرجم الذي عينه "لاشي" حدا لهم، وذهب الشيخ مجحم إلى "لاشي بيك" واخبره برفض الدروز للقسمة وأخذ منه كتابا يثبت أن حدودهم حتى الخط الدولي وهو المثبت حتى الآن، وربما يكون الحد الوحيد الذي اثبت بكتاب مثل هذا. "قصر اركيس" قريبا من "رجم الضو".. وقبل الوصول إلى النقطة الحدودية، يرى المتجه إلى هناك على يسار الطريق الترابي موقع قصر "اركيس" المحاذي للقرية، والذي يشير إليه الآثاريون بأنه عبارة عن قلعة عسكرية قديمة، وما تزال هناك بقايا أطلال منه هي ماثلة لمن يصل إلى المكان حيث يرى حجارة متراكمة فوق بعضها بإهمال واضح غير أن مواقع الأبواب فيها ما زالت واضحة وتشي بتاريخ حقيقي لها لم يوثق بعد . صواريخ أم القطين تتذكر الدفيانة كيف شارك بعض أهلها في ثورة عام 1936م في فلسطين، لكن مجموعة من رجال القرية سارت في عام 1947م باتجاه لبنان، وكان فيها عرب ودروز حتى يكونوا إحدى المجموعات العربية المشكلة لجيش الإنقاذ في دفاعه عن فلسطين. كما أنه كان أهل الدفيانة إذا حدث أي اضطراب، أو مشاكل في الداخل أو الخارج، لحساسية موقعهم على الحدود يشكلون حراسات من أهل المنطقة، مهمتها الحفاظ على الاستقرار والأمن هناك، وهذا ما حدث في السبعينات حين استهدفت القرية من قبل صواريخ انطلقت نحوها من جهة قرية أم القطين، فقام أهل القرية بتشكيل دوريات منتظمة داخل القرية . دار ارشيد قبل وداع القرية انتبه أيها المتقرب من حضرة الدفيانة، ولاحظ الخربة والبيوت القريبة من الدكان الذي يقع على مدخل الخربة القديمة. ستركز النظر بهدوء في المكان، وسترى أحد أهلها يذكرك بأنه كان داخل القرية القديمة دكان عتيق كان هو أول دكان فتح في الدفيانة وكان اسمه دكان "الحاج سليمان". وسترى أيضا بمحاذاة الخربة بيتا ترابيا، أمامه شجرة عنب ولها "معرّش" أمام مدخل البيت، وتحتها مساحة مكتظة بـ"أشتال النعنع"، وبيت الطابون، هذه الدار يتذكر أهل القرية أنها كانت لرجل سوري، بناها، وكان اسمه "ارشيد"، وكانت له فيها دكان أيضا، غير أنه تركها فجأة ورحل إلى موطنه سوريا تاركا الدار، والكرمة، والطابون، و"أشتال النعنع".. هذه آخر لقطة تراها في الدفيانه قبل رحيلك عنها يا من أحببتها من أول زيارة اليها.
حديث البادية · الأردن
الذاكرة الأردنية — حديث البادية
الدفيانة
الدفيانه.. «رجم الضَو» و«قصر اركيس»

سيرة المكان
02 / ألبوم المكان
صور الدفيانة
على امتداد الرمل وحوافّ الأفق، للبادية حديثٌ لا ينتهي.

